مصطلحات صحية بـ«ترجمات أمنية».. الحو.ثيون يحاكمون المضواحي
السبت - 29 أغسطس 2026 - 12:14 ص
صوت العاصمة/ صنعاء
تواصل ميليشيات الحوثي التحقيق مع الطبيب والخبير الصحي الدكتور علي المضواحي في قضية تتسع تفاصيلها مع كل جلسة، وسط انتقادات لطريقة إعداد ملف الاتهام، الذي تقول هيئة الدفاع إنه يتجاوز 5 آلاف صفحة، ويضم ترجمات لمراسلات ووثائق صحية ومهنية جرى التعامل مع بعض مصطلحاتها باعتبارها شبهات ذات طابع أمني.
واستأنفت الميليشيات جلسات التحقيق الثانية والثالثة مع المضواحي، في جلسات امتدت لنحو تسع ساعات، وطُلب منه خلالها الرد على آلاف الصفحات التي تتضمن وثائق ورسائل بريد إلكتروني استُخرجت من أجهزة إلكترونية صودرت منه، بينها جهازا اللابتوب والكمبيوتر، وتعود إلى مشاريع صحية ومراسلات مع منظمات وجهات عاملة في القطاع الصحي، إضافة إلى مراسلات مع وزارة الصحة التابعة للحوثيين ومسؤولين عن تنفيذ تلك المشاريع.
وتقول هيئة الدفاع إن ضخامة الملف تعود بدرجة كبيرة إلى ترجمة الوثائق والمراسلات الأصلية المكتوبة بالإنجليزية، مشيرة إلى وجود أخطاء في ترجمة وفهم مصطلحات مهنية متداولة في القطاع الصحي والتنموي، قبل أن تُستخدم تلك الترجمات في التحقيق باعتبارها مؤشرات مثيرة للشبهة.
ومن أبرز الأمثلة التي أوردها الدفاع، التعامل مع مصطلح Communication Officer وترجمته إلى «ضابط اتصالات»، ثم تفسيره على أنه مرتبط بالعمل الاستخباراتي، في حين يُستخدم المصطلح في السياقات المهنية للدلالة على وظيفة تتعلق بالاتصال والتواصل.
كما جرى تفسير Surveillance Unit باعتباره «وحدة ترصد استخباراتي»، رغم أن المصطلح يستخدم على نطاق واسع في المجال الصحي للدلالة على وحدات الرصد أو الترصد، خصوصًا في متابعة الأمراض والأوبئة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ أصبحت كلمة Confidential، التي تعني «سري» أو «خاص» بحسب سياق استخدامها، موضع استفسار خلال التحقيق، وفق الدفاع، رغم شيوع استخدامها في المراسلات المهنية والأكاديمية التي تتضمن معلومات مقيدة التداول.
وهنا تكمن واحدة من أبرز مفارقات القضية: مصطلحات من صميم العمل الصحي والإنساني يجري إخراجها من سياقها المهني وإلباسها دلالات أمنية.
كما طُلب من المضواحي تفسير أسماء واختصارات مرتبطة ببرامج ومشاريع صحية، من بينها مصطلحات متعلقة بحزمة الحد الأدنى من الخدمات الصحية، وهي تعبيرات معروفة في العمل الصحي والإنساني والتنموي.
ويقول الدفاع إن المضواحي طُلب منه الرد على ملف من نحو 5 آلاف صفحة خلال فترة قصيرة، في وقت لم يُسمح لمحاميه بتصوير الملف، واكتُفي بتمكينهم من الاطلاع عليه، ما يجعل مراجعة الوثائق والرد عليها بصورة دقيقة أمرًا بالغ الصعوبة.
وطالب المحامون بمنح المضواحي وقتًا كافيًا لمراجعة الملف، وتمكينه من الاطلاع على الوثائق الأصلية باللغة الإنجليزية، حتى يستطيع توضيح سياقاتها المهنية، خصوصًا أن الإجابة على مصطلحات وترجمات محل خلاف لا يمكن أن تتم بصورة دقيقة اعتمادًا على الذاكرة وحدها.
وتزداد صعوبة الوضع، وفق الدفاع، مع قولهم إن المضواحي كان يجيب خلال التحقيق اعتمادًا على ذاكرته رغم معاناته من ضعف في النظر وحاجته إلى نظارة.
وفي ملف اللقاحات، تقول أسرة المضواحي، نقلًا عن محاميه، إنه أكد رفضه القول إن اللقاحات مضرة، رغم تعرضه، بحسب روايته، لضغوط وتعذيب خلال فترة احتجازه. كما تحدث عن إجباره على الإدلاء بأقوال وصفها بأنها غير منطقية، والضغط عليه للتوقيع والبصم على أوراق بيضاء مقابل تخفيف الضغط والسماح له بالتواصل مع أسرته.
وتضع هذه المعطيات مسار التحقيق أمام أسئلة جدية حول طبيعة الأدلة التي تستند إليها القضية، ومدى سلامة ترجمتها وتفسيرها، خصوصًا عندما تتحول عبارات ومصطلحات مهنية إلى شبهات أمنية دون أن يكون واضحًا من المعطيات المعلنة ما يثبت أنها استخدمت خارج سياقها الصحي.
فالقضية، وفق ما يطرحه الدفاع، لا تتعلق فقط بملف ضخم، وإنما بطريقة بناء هذا الملف، وكيفية تفسير محتواه، ومدى تمكين المتهم ومحاميه من فحص الأدلة والرد عليها.
ولا يمكن اعتبار ضخامة الملف دليلًا على قوة الاتهامات؛ إذ إن آلاف الصفحات من المراسلات والوثائق لا تصبح أدلة إدانة لمجرد جمعها في ملف واحد، بل يفترض أن تثبت صلة كل وثيقة بالفعل محل الاتهام، وأن تكون ترجمتها دقيقة، وأن يتمكن الدفاع من مراجعتها والرد عليها.
وبينما تواصل ميليشيات الحوثي التحقيق مع المضواحي، تقول أسرته ودفاعه إن استمرار الإجراءات بهذه الصورة يثير مخاوف بشأن حقه في الدفاع، خصوصًا مع عدم تمكين المحامين من الحصول على نسخة من الملف، وقصر فترة المراجعة، والاعتماد على ترجمات يقول الدفاع إنها تضمنت أخطاء في المصطلحات المهنية.
وتبقى الاتهامات الموجهة إلى المضواحي بحاجة إلى إثبات قضائي، كما أن مزاعم التعذيب والإكراه التي أوردها الدفاع تتطلب تحقيقًا مستقلًا للتحقق منها. لكن المؤكد أن تحويل قاموس الصحة والتنمية إلى قاموس أمني، إذا ثبت وقوعه، يفتح الباب أمام توسيع دائرة الاشتباه لتشمل أي مراسلات مهنية يمكن إعادة تفسيرها خارج سياقها