مداد العاصمة



المرأة في خط الدفاع الأول عن السلم المجتمعي

السبت - 29 أغسطس 2026 - 08:45 م

المرأة في خط الدفاع الأول عن السلم المجتمعي

صوت العاصمة/خاص:

كتب : محمود قياح

في مجتمع محافظ مثل مجتمعنا، يصعب على كثير من النساء الذهاب إلى قسم الشرطة أو الوصول إلى الجهات الرسمية عند مواجهة مشكلة، خصوصًا في الخلافات الأسرية والقضايا الاجتماعية الحساسة. وغالبًا ما تلجأ المرأة أولًا إلى امرأة تثق بها: زوجة عاقل الحارة أو معلمة أو مديرة مدرسة أو واعظة دينية أو محامية أو منتسبة إلى الشرطة النسائية أو عضوة في إحدى اللجان المجتمعية.

تؤدي هؤلاء النساء دورًا مجتمعيًا مساندًا بحضورهن في قلب المجتمع وقدرتهن على الاستماع إلى الشكاوى في مراحلها الأولى، حين تكون المشكلة ما تزال قابلة للاحتواء. وتظل الصلاحيات القانونية من اختصاص الشرطة والنيابة والقضاء.

قد تبدأ المسألة بخلاف بين جارتين أو سوء فهم داخل الأسرة، وقد تكون أكثر تعقيدًا وتستدعي تدخلًا متخصصًا وإحالة إلى الجهات المختصة، كما في قضايا الابتزاز والعنف وغيرها من القضايا التي تتطلب مسارًا قانونيًا ومهنيًا آمنًا.

من هنا جاء استهداف هذه الفئات في "برنامج مهارات حل النزاع". وقد استند اختيارهن إلى احتياجات المجتمع ومقترحات متكررة قدمها عدد من عُقّال الحارات وأعضاء الأجهزة الأمنية واللجان المجتمعية، مؤكدين حاجة المجتمع إلى نساء يمتلكن المعرفة والمهارات اللازمة للتعامل مع النزاعات التي تصل إليهن، ومساعدة النساء على الوصول إلى المسار المناسب للحل أو الإحالة.

فالمرأة التي تأتي إلى زوجة عاقل الحارة لتشكو مشكلة، والطالبة التي تلجأ إلى معلمتها، والمرأة التي تطلب المشورة من واعظة أو محامية، أو تحتاج إلى التواصل مع الشرطة النسائية؛ تبحث أولًا عمن يسمعها ويفهم مشكلتها ويساعدها على معرفة الخطوة الصحيحة.

وفي ظل سنوات الحرب وتدهور الوضع الاقتصادي وتصاعد الضغوط المعيشية، ازدادت الخلافات داخل الأسر والأحياء والمجتمعات. وأصبح امتلاك الأشخاص الموجودين في الخط الأول أدوات أفضل للاستماع وتحليل النزاع والتهدئة والتواصل والوساطة ومعرفة حدود التدخل وتوقيت الإحالة إلى الجهات المختصة، ضرورة مجتمعية ملحة.

يعمل تدريب زوجات عقال الحارات وعضوات اللجان المجتمعية والمعلمات ومديرات المدارس والواعظات والمحاميات ومنتسبات الشرطة النسائية، على تطوير دور مجتمعي قائم بالفعل وجعله أكثر وعيًا وأمانًا ومهنية، ضمن الأطر القانونية وصلاحيات مؤسسات الدولة.

وتقوم الوساطة الجيدة على حسن الاستماع وفهم جذور المشكلة وتخفيف التوتر وحماية الخصوصية ومنع التصعيد وتقدير حدود المساعدة وتحديد اللحظة المناسبة لإحالة القضية إلى الجهة المختصة.

وقد يصعب قياس نجاح هذا العمل بالأرقام؛ لأن نجاح الوساطة يظهر أحيانًا في مشكلة كانت مرشحة للتفاقم ثم جرى احتواؤها في الوقت المناسب.

أن تمنع امرأة خلافًا بين جارتين من التحول إلى قطيعة، أو تساعد أسرة على تجاوز سوء فهم، أو توجه طالبة تواجه مشكلة حساسة إلى مسار آمن، أو تساعد امرأة على الوصول إلى الجهة المختصة؛ كل ذلك إسهام حقيقي في حماية السلم الاجتماعي.

فالمرأة التي تستمع إلى مشكلة داخل مجتمعها تستطيع أن تصبح جزءًا فاعلًا من الحل. وفي مجتمعنا -حيث تشعر المرأة غالبًا براحة أكبر في الحديث إلى امرأة أخرى- تكتسب الوسيطات المجتمعيات المزودات بالمعرفة والمهارات أهمية خاصة، ولا سيما حين تكون الجهات الرسمية بعيدة أو يصعب الوصول إليها.

ومن هنا يبرز السؤال:
كيف نترك امرأة تتعامل يوميًا مع مشكلات المجتمع من دون أن نزودها بالمعرفة والمهارات التي تساعدها على أداء دورها بوعي وأمان؟

هذا تحديدًا ما يهدف إليه "برنامج مهارات حل النزاع" في بناء قدرات النساء والفاعلين المجتمعيين على فهم النزاعات والتعامل معها بوسائل سلمية، والحد من تصعيدها، وتعزيز الإحالة الآمنة إلى الجهات المختصة، والمساهمة في حماية الأسرة وتعزيز التماسك والسلم الاجتماعي.

فالسلام يبدأ من المؤسسات ويبدأ أيضًا من امرأة استمعت وفهمت وتدخلت في الوقت المناسب… قبل أن تكبر المشكلة.



الأكثر زيارة


عبدالله مهدي.. رجلٌ تصنعه المواقف.

السبت/29/أغسطس/2026 - 02:09 ص

عبدالله مهدي سعيد في الضالع ليس مجرد قائد أو شخصية سياسية واجتماعية، بل نموذج لرجل جمع بين الشجاعة والحكمة والفصاحة والهيبة والتوازن. رجلٌ يعرف كيف يت


من حتم إلى جيش مكتمل الأركان .. مسيرة بناء القوة الجنوبية.

السبت/29/أغسطس/2026 - 01:03 ص

تتجاوز تجربة القوات المسلحة الجنوبية في السنوات الأخيرة حدود المواجهات العسكرية المباشرة، لتشكل مساراً متدرجاً لإعادة بناء القوة الجنوبية وتنظيمها في


عدن مدينة تتآكل تحت وطأة الأزمات والخدمات المنهارة.

السبت/29/أغسطس/2026 - 01:07 ص

لم تعد عبارة «عدن بخير» التي يروجها اعلام السلطة قادرة على الصمود أمام مشهد يومي يراه المواطن بعينيه ويعيشه بكل تفاصيله. فبينما تتكرر التصريحات التي ت


ألوية العمالقة خط أحمر.. صدام العليمي والمحرمي يفـ.ـجر الرئا.

السبت/29/أغسطس/2026 - 06:21 ص

صدام متصاعد بين العليمي وأبو زرعة المحرمي.. رفض مقترح تغيير اسم ألوية العمالقة الجنوبية إلى «العمالقة اليمنية» وتعيين يحيى الحجوري قائدا لها كشفت مصاد