أَوَّلُ صَبَاحٍ دِرَاسِيٍّ فِي الجَنُوبِ… فَلْيَصْدَحِ النَّشِيدُ حَتَّى تَرْتَجِفَ جُدْرَانُ النِّسْيَانِ!
الإثنين - 31 أغسطس 2026 - 01:42 ص
صوت العاصمة/ كتب /فاطمة اليزيدي:
في أول صباحٍ دراسيٍّ، حين فُتحت أبواب المدارس الجنوبية، لم يكن المشهد مجرّد عودةٍ إلى مقاعد الدراسة، ولا بدايةً لعامٍ جديدٍ من الكتب والدفاتر والواجبات؛ كان صباحًا ينبغي أن يُعلن فيه الجنوب، من ساحات مدارسه، أن الذاكرة لم تمت، وأن الهوية ليست ورقةً تُطوى، وأن الأجيال التي تتعلّم اليوم لن تكون أجيالًا سائبةً بلا تاريخٍ ولا انتماءٍ ولا رايةٍ تعرفها وتعتزّ بها. هناك، في الساحات المدرسية، حيث تقف الأجيال الصغيرة بوجوهها البريئة وعيونها التي تتشكّل فيها ملامح الغد، يجب أن يكون للنشيد الجنوبي مكانه الذي يليق به؛ لا بوصفه لحنًا صباحيًّا عابرًا، ولا فقرةً روتينيّةً تؤدّى لأن التعليمات قالت ذلك، بل بوصفه صوتًا للهوية، وذاكرةً تُزرع في الوجدان، ورسالةً تقول لكل طفلٍ جنوبيٍّ: هذه أرضك، وهذا تاريخك، وهذه هويتك، وهذه رايتك.
يا معلّمي الجنوب ومعلّماته، يا من بين أيديكم أخطر وأعظم أمانة، أنتم لا تفتحون الكتب فقط، بل تفتحون عقولًا وقلوبًا ستصنع ملامح الجنوب في الغد. فلا تجعلوا صباح المدرسة باردًا بلا روح، ولا تجعلوا النشيد مجرّد كلماتٍ تتبعثر في الهواء ثم تنتهي الحكاية. اجعلوا للصباح هيبته، وللنشيد حضوره، وللكلمة معناها، وللراية مكانتها. اجعلوا الطالب يعرف لماذا يقف، ولماذا ينشد، ولماذا يرفع صوته، ولماذا ينبغي أن يظلّ وفيًّا لهويته وتاريخه. فالجيل الذي لا يتعلّم معنى الانتماء في سنواته الأولى قد يكبر وهو يبحث عن نفسه بين هوياتٍ لا تشبهه، وقد يستيقظ ذات يومٍ فلا يعرف أيّ أرضٍ ينتمي إليها ولا أيّ تاريخٍ يحمل.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعبٍ ليس أن يخسر معركةً عابرةً، بل أن يخسر ذاكرته، وأن يستيقظ جيله الجديد وهو لا يعرف شيئًا عن هويته، وأن يصبح تاريخه غريبًا عنه، ورموزه بلا معنى في وجدانه. ولهذا فإن المدرسة الجنوبية ليست مكانًا للتعليم الأكاديمي وحده؛ إنها واحدةٌ من أهم ساحات بناء الوعي. وفي كل صباحٍ دراسيٍّ فرصةٌ جديدةٌ كي نقول لأبنائنا إن الجنوب ليس اسمًا عابرًا، وإن الهوية ليست شعارًا موسميًّا، وإن التاريخ لا يُدفن لمجرّد أن البعض يريد له أن يُنسى.
حين يصدح النشيد من حناجر الطلاب، يجب ألا يكون الصوت ضعيفًا متردّدًا، بل صوتًا يعرف قيمة ما يقول. لا نريد ترديدًا آليًّا تتحرّك معه الشفاه بينما العقول غائبة؛ نريد نشيدًا يفهمه الطالب قبل أن يحفظه، ويشعر بمعناه قبل أن يردّده، ويعرف أن الكلمات التي تخرج من حنجرته تحمل ذاكرة أجيالٍ كاملة. نريد أن يصبح الصباح المدرسي لحظةً تُشحذ فيها الذاكرة، ويُبنى فيها الوعي، وتُغرس فيها قيمة الانتماء بعيدًا عن التلقين الفارغ والشكليات التي لا تصنع جيلًا.
يا معلّمي الجنوب، لا تستهينوا بهذه اللحظات الصغيرة؛ فالأوطان الكبيرة تبدأ أحيانًا من تفاصيل تبدو بسيطة. كلمةٌ يقولها معلّمٌ بإخلاصٍ قد تستقرّ في عقل طالبٍ سنواتٍ طويلة، ونشيدٌ يُردّد اليوم بروحٍ حقيقيةٍ قد يتحوّل غدًا إلى ذاكرةٍ لا تُنسى. أنتم أمام جيلٍ لا ينبغي أن يرث الجنوب جغرافيًّا فقط، بل يجب أن يرثه وعيًا وذاكرةً ومسؤوليةً وانتماءً. فالأرض وحدها لا تكفي إذا فقد الإنسان إحساسه بها، والراية وحدها لا تكفي إذا لم يعرف الجيل ماذا تعني، والنشيد وحده لا يكفي إذا تحوّل إلى صوتٍ بلا قلب.
اليوم، في أول صباحٍ دراسيٍّ، لا نريد أن نرى النشيد حاضرًا بالجسد وغائبًا بالروح. نريد الساحات ممتلئةً بصوت الطلاب، والمدارس ممتلئةً بمعنى الجنوب، والقلوب تعرف أن التعليم ليس حفظًا للمنهج فقط، بل صناعةٌ للإنسان الذي يعرف نفسه وتاريخه وحقّه في أن يعتزّ بهويته. نريد أن يكبر الطفل وهو يعرف أن الانتماء ليس مناسبةً نرفع فيها أصواتنا ثم نعود إلى الصمت، بل قيمةٌ تسكن في الوجدان وتظهر في احترام الأرض والتاريخ والرموز والإنسان.
فليكن هذا الصباح بدايةً مختلفةً؛ صباحًا لا يُفتتح بالصمت، بل بصوتٍ جنوبيٍّ يعرف ماذا يريد، ويعرف ماذا يقول، ويعرف لمن ينتمي. وليرتفع النشيد في كل مدرسةٍ جنوبيةٍ بوصفه درسًا حيًّا في الهوية، لا مجرّد فقرةٍ في طابور الصباح. وليعلم الجميع أن الأجيال التي تعرف تاريخها لا يسهل اقتلاعها من ذاكرتها، وأن الطفل الذي يتعلّم منذ الصغر أن لوطنه هويةً ورايةً وتاريخًا، سيكبر وهو أكثر قدرةً على حماية ذاكرته من الذوبان.
هذا هو أول صباحٍ دراسيٍّ في الجنوب، فليكن صباحًا يسمع فيه أبناؤنا صوت هويتهم قبل أي صوتٍ آخر. فالمناهج ستُدرّس، والامتحانات ستأتي، والسنوات ستمضي، لكن ما يُزرع في الوجدان في سنوات الطفولة قد يبقى عمرًا كاملًا. ولهذا، فليصدح النشيد، وليعلُ الصوت، ولتُفتح الكتب، ولتُفتح معها صفحات الذاكرة، ولنعلم أبناءنا أن من يعرف وطنه لا يخجل من هويته، ومن يعرف تاريخه لا يسمح للنسيان أن يكتب له مستقبله، ومن يحمل في قلبه وطنًا لا يمكن أن يكون صوته في الصباح مجرّد همس.
من ساحات مدارس الجنوب يبدأ الصباح… ومن حناجر أبنائه يجب أن تُسمع حكاية الجنوب، حيّةً، واضحةً، شامخةً، لا تعرف النسيان