55 عامًا على تأسيس الجيش الجنوبي.. تاريخٌ لا يُختصر، ومجدٌ لا تُسقطه السنوات
الإثنين - 31 أغسطس 2026 - 11:15 م
صوت العاصمة/ كتب / ذياب الحسيني
في الأول من سبتمبر 2026م، تحل الذكرى الخامسة والخمسون لتأسيس الجيش الجنوبي، لتقف الذاكرة أمام خمسة عقود ونصف من التاريخ العسكري والسياسي الحافل، وتستعيد سيرة مؤسسة عسكرية لم تكن مجرد تشكيلٍ نظامي يحمل السلاح، بل كانت إحدى الركائز الأساسية للدولة الجنوبية ومؤسساتها، وحاضرةً في تفاصيل مرحلة تاريخية كاملة بما حملته من بناءٍ وتحديات وتحولات وتضحيات.
منذ تأسيسه عام 1971م، شق الجيش الجنوبي طريقه بوصفه مؤسسةً عسكرية نظامية لها بنيتها وقيادتها وتقاليدها وانضباطها، وتخرجت من صفوفه أجيال من الضباط والجنود الذين حملوا أمانة الزي العسكري، وراكموا خبرات ميدانية ومهنية، وأسهموا في بناء منظومة عسكرية تركت بصمتها في تاريخ الجنوب، وظلت ذاكرة أفرادها وقياداتها حاضرةً في الوجدان العام.
وحين جاءت الوحدة الاندماجية بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية عام 1990م، دخل الجيش الجنوبي مرحلةً جديدة شابتها ترتيبات عسكرية وسياسية لم تُفضِ، بحسب ما عاشه كثير من كوادره، إلى شراكة مؤسسية متكافئة، بل بدأت معها مسارات الإقصاء والتهميش التي طالت عددًا كبيرًا من كوادره وقياداته، لتتحول قضية المؤسسة العسكرية الجنوبية من ملفٍ مؤسسي إلى واحدة من أعقد قضايا المرحلة التي أعقبت الوحدة.
ثم جاءت حرب صيف 1994م لتفتح فصلًا أكثر قسوة في هذه الحكاية؛ إذ انتهت الحرب بسيطرة قوات الجمهورية اليمنية على الجنوب، وتعرضت مؤسسات الدولة الجنوبية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، لعملية تفكيك وإقصاء واسعة، شملت تسريح أعداد كبيرة من منتسبي الجيش الجنوبي وإحالتهم إلى التقاعد القسري والتهميش، فيما واجهت كوادر وقيادات جنوبية مختلفة صنوفًا من الملاحقة والإقصاء، ووجد آلاف العسكريين أنفسهم خارج مؤسساتهم، بعد أن أفنوا سنوات عمرهم في خدمة المؤسسة العسكرية.
ومن هنا لم تعد ذكرى الأول من سبتمبر مجرد مناسبة لاستحضار تاريخ التأسيس، بل أصبحت نافذةً على ذاكرة جيلٍ عسكري بأكمله؛ جيلٍ عاش لحظة التأسيس، ومرحلة بناء المؤسسة، ثم الوحدة، ثم الحرب، وما أعقبها من واقعٍ جديد ترك جراحًا عميقة في نفوس العسكريين الجنوبيين وأسرهم، ولا تزال آثار تلك المرحلة حاضرةً في الذاكرة الجنوبية حتى اليوم.
ومع ذلك، فإن قيمة الجيش الجنوبي لا تختزل في ما تعرض له من إقصاء أو تفكيك، فالمؤسسات العسكرية تُقاس كذلك بما تتركه من إرثٍ مهني وقيمي في ذاكرة الشعوب. والانضباط، والاحتراف، والالتزام، وروح التضحية، وهيبة الزي العسكري، وقيمة الواجب، كلها معانٍ ارتبطت في وجدان أجيال من أبناء الجنوب بمؤسستهم العسكرية التي كانت جزءًا من كيان الدولة ومؤسساتها.
وفي سياق التحولات التي شهدها الجنوب خلال العقود الأخيرة، بدأت تشكيلات القوات المسلحة الجنوبية الحديثة تستعيد عافيتها في العام 2015م، لتدخل في العام 2019م مرحلةً جديدة من البناء والتأسيس، أكثر تنظيمًا وقدرةً وفعالية، مستندةً إلى تراكم الخبرات العسكرية والميدانية، وإلى إرثٍ عسكري جنوبي راسخ من الانضباط والكفاءة والالتزام وروح التضحية.
ورغم العراقيل والتحديات التي واجهت مسار إعادة بناء هذه التشكيلات، وما تعرضت له من محاولات إعاقة من قوى معادية، فإنها استطاعت أن تثبت حضورها كقوة عسكرية فاعلة ومؤثرة على الأرض، وأن تطور من قدراتها وإمكاناتها، وتراكم خبراتها في ميادين المواجهة، بما جعلها اليوم أمام مسؤولية أكبر تتمثل في الانتقال من واقع التشكيلات إلى بناء مؤسسة عسكرية حديثة وراسخة، تقوم على أسس مؤسسية واضحة، وقيادة موحدة، وبرامج متطورة للتدريب والتأهيل، ورفع مستوى الجاهزية والكفاءة القتالية.
وحتمًا، فإن قوة أي مؤسسة عسكرية لا تُقاس بحجم السلاح وحده، وإنما بمدى انضباطها، وتماسكها، واحترافيتها، وقدرتها على أداء واجبها في حماية الأرض والأمن والاستقرار وصون المكتسبات، وبناء قوة عسكرية جنوبية حديثة تكون امتدادًا لذلك الإرث العسكري العريق، وتستجيب لمتطلبات الحاضر وتحديات المستقبل.
ومن هنا، فإن استعادة عافية القوات المسلحة الجنوبية ليست مجرد استعادة لتشكيلات عسكرية، بل هي استعادة لمعنى المؤسسة، وهيبة الزي، وقيمة الانضباط، وشرف الواجب؛ وهي مسؤولية تاريخية تتطلب مواصلة البناء والتطوير والتأهيل، وحماية حقوق منتسبي القوات المسلحة، وترسيخ ثقافة المؤسسة العسكرية المهنية التي يكون فيها الولاء للواجب والانضباط والقانون أساسًا للعمل العسكري.
وفي هذه الذكرى، لا ينبغي أن تكون استعادة التاريخ استدعاءً للألم وحده، ولا مناسبةً لإعادة إنتاج الخصومة، وإنما فرصة لقراءة الماضي بعينٍ مسؤولة، واستخلاص دروسه، وإنصاف من ظلمتهم التحولات السياسية والعسكرية، واستحضار التضحيات التي قدمها العسكريون الجنوبيون، وفي مقدمتهم الشهداء والجرحى والمتقاعدون والمسرحون وكل من وجد نفسه خارج المؤسسة التي أفنى فيها سنوات عمره.
إن الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي تضع أمام الأجيال مسؤولية الحفاظ على الذاكرة، لا لتقديس الماضي، وإنما لفهمه؛ ولا لإغلاق أبواب المستقبل، وإنما لبناء مستقبلٍ أكثر عدلًا ومؤسسيةً واحترامًا للإنسان العسكري وحقوقه وتضحياته.
فالتاريخ لا يموت بالتقادم، والذاكرة الوطنية لا تُمحى بمرور الزمن، والمؤسسات التي صنعتها أجيال من الرجال تبقى جزءًا من وجدان شعوبها، مهما تبدلت الظروف وتغيرت موازين السياسة.
وفي الأول من سبتمبر، تنحني الكلمات احترامًا لكل من ارتدى الزي العسكري الجنوبي، وأدى واجبه بشرف، وحمل سلاحه مسؤوليةً لا امتيازًا، ولكل شهيدٍ وُوري الثرى، وجريحٍ حمل أثر المعركة، وعسكريٍ أُبعد عن مؤسسته، ومتقاعدٍ ظل ينتظر إنصاف تضحياته، ولكل أسرةٍ دفعت من أعمار أبنائها ثمنًا في سبيل الواجب.
55 عامًا على تأسيس الجيش الجنوبي... خمسة عقود ونصف من التاريخ، من البناء، من التضحيات، ومن الذاكرة التي لم تُسقطها السنوات.
1 سبتمبر 1971م - 1 سبتمبر 2026م
المجد لمن أدّى واجبه بشرف، والرحمة للشهداء، والإنصاف لمن ظلمته التحولات، والتحية لكل عسكري جنوبي حمل أمانة الزي العسكري وظل وفيًا لشرف المهنة.