مداد العاصمة



الأول من سبتمبر.. يوم الجيش الجنوبي وذاكرة وطن لا تموت..

الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026 - 12:22 ص

الأول من سبتمبر.. يوم الجيش الجنوبي وذاكرة وطن لا تموت..

صوت العاصمة/ كتب/ نظير حسان


في الأول من سبتمبر، يستعيد أبناء الجنوب واحدة من أهم صفحات تاريخهم الوطني والعسكري؛ ذكرى عيد الجيش الجنوبي، الجيش الذي نشأ مع الدولة الوطنية في الجنوب، وترسخت بنيته ومؤسساته حتى أصبح جيشاً منظماً، مهاباً، عالي الجاهزية، يحمل عقيدة الدفاع عن الوطن وحماية سيادته ومكتسباته.
ولم يكن بناء ذلك الجيش مجرد إنشاء وحدات عسكرية أو امتلاك السلاح، بل كان مشروعاً وطنياً متكاملاً قام على بناء الإنسان العسكري، وإنشاء الكليات والمدارس والمعاهد، وتأهيل الضباط والكوادر، وتطوير القوات البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي، حتى غدت المؤسسة العسكرية الجنوبية واحدة من أبرز مؤسسات الدولة وأكثرها حضوراً وانضباطاً.
وكان الأول من سبتمبر مناسبة تختصر هذه المسيرة؛ مسيرة رجال حملوا شرف الزي العسكري، ووقفوا في ميادين الدفاع عن الوطن، وقدموا التضحيات في سبيل حماية الأرض والسيادة، ورسخوا تقاليد عسكرية ومهنية ظلت حاضرة في وجدان أجيال متعاقبة من أبناء الجنوب.
غير أن حرب الاحتلال الاول عام 1994م مثّلت منعطفاً قاسياً في تاريخ الجنوب ومؤسسته العسكرية؛ إذ تعرض الجيش الجنوبي للتفكيك والتسريح والتهميش، وتشتتت كوادره، وأُقصي كثير من ضباطه وجنوده عن مواقعهم ومؤسساتهم. لكن ما لم تستطع الحرب أن تفككه هو الخبرة العسكرية المتراكمة، وروح الانتماء، والذاكرة الوطنية التي حملها آلاف الضباط والجنود إلى الأجيال التالية.
ومع التحولات الكبرى التي شهدها الجنوب منذ حرب الغزو الثاني عام 2015م، عادت الحاجة إلى بناء قوة عسكرية وأمنية جنوبية قادرة على حماية الجنوب وتأمين المدن والمجتمع والمنشآت، ومواجهة المخاطر التي فرضتها الحرب، وفي مقدمتها التهديد الحوثي والجماعات الارهابية .
وفي هذه المرحلة برز الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي بوصفه أحد أبرز القادة الذين تحملوا مسؤولية إعادة بناء القوة العسكرية والأمنية الجنوبية، فكان له دور محوري في تأسيس وتشكيل القوات الجنوبية الحديثة، ودعم بناء الأحزمة الأمنية، وقوات النخبة الحضرمية، والقوات البرية، والعمل على إعدادها وتأهيلها وتطوير قدراتها، وتعزيز تسليحها وجاهزيتها، وصولاً إلى تشكيل قوة عسكرية وأمنية أصبحت تمثل نواة مهمة لمؤسسة عسكرية جنوبية حديثة.
وقد جاءت عملية البناء تلك في ظروف بالغة التعقيد، وانتقلت خلالها القوات الجنوبية من واقع المقاومة وتشكيلات الحرب إلى وحدات أكثر تنظيماً وتخصصاً، مستفيدة من الخبرات العسكرية الجنوبية المتراكمة، ومن برامج التدريب والتأهيل والدعم اللوجستي، الأمر الذي أسهم في رفع مستوى جاهزيتها وقدرتها على أداء مهامها في حماية الأرض ومواجهة المخاطر.
إلا أن هذه المسيرة تعرضت لانتكاسة مؤلمة مع الضربة العسكرية الغادرة التي تعرضت لها القوات الجنوبية في يناير 2026 في صحراء وادي حضرموت من قبل سلاح الجو الملكي لدولة آل سعود، وما رافقها من أحداث مؤسفة في حضرموت والمهرة، وهي أحداث ألقت بظلال ثقيلة على واقع القوات المسلحة والأمن الجنوبية، وفتحت الباب أمام مرحلة من الإجراءات التي أثارت مخاوف واسعة بشأن مستقبل هذه المؤسسة ودورها.
فبدلاً من أن تكون الأولوية في مثل هذه الظروف هي حماية القوات، وتعزيز جاهزيتها، ومعالجة مكامن الخلل، وتوحيد الجهود في مواجهة التهديدات القائمة، شهدت المرحلة اللاحقة محاولات وإجراءات باتجاه تفكيك بعض تشكيلات القوات المسلحة والأمن الجنوبية، ودمجها أو إعادة هيكلتها بصورة قسرية، وتسريح أو تهميش عدد من قياداتها وكوادرها، فضلاً عن الصعوبات التي طالت المرتبات والتسليح والعتاد والدعم اللوجستي، في وقت ما تزال فيه هذه القوات تواجه مسؤوليات ميدانية وتوجد في خطوط المواجهة مع جماعة الحوثي.
إن بناء جيش وطني قوي لا يمكن أن يقوم على إضعاف القوة الموجودة على الأرض، أو حرمانها من مقومات الجاهزية، أو تهميش خبراتها وقياداتها، أو التعامل معها بمنطق التفكيك والإقصاء، وهي التي تدافع عن حياض الوطن وتحمي مكتسباته وتدافع عن ترابه على طول جبهات وحدود التماس مع العدو الحوثي ، فالجيوش لا تُبنى بقرارات الإلغاء والتسريح، وإنما تُبنى بالتأهيل والانضباط، وتوحيد العقيدة والقيادة، وتوفير التدريب والتسليح والمرتبات، والاستفادة من الخبرات المتراكمة، والحفاظ على الكوادر التي راكمت خبرتها في أصعب الظروف.
كما أن أي مشروع جاد لبناء مؤسسة عسكرية وطنية ينبغي أن ينطلق من واقع الميدان ومن احتياجات الأمن والدفاع، وأن يحافظ على ما تحقق من قدرات، ويعمل على تطويرها وتنظيمها ضمن إطار مؤسسي واضح، بدلاً من إهدار ما راكمته هذه القوات من خبرة وتضحيات خلال السنوات الماضية.
وفي هذه المرحلة، تقع مسؤولية وطنية وتاريخية جسيمة على عاتق الجنوبيين في سلطة الأمر الواقع، وفي مقدمتهم الجنوبيون في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة؛ فواجبهم اليوم أن يحافظوا على القوات المسلحة والأمن الجنوبية، وأن يصونوا الإرث العسكري والأمني الذي بُني خلال السنوات الماضية، لا أن يقفوا متفرجين على تفكيكه أو تهميشه ناهيك ان يكونوا هم القائمين على تلك الاجراءات . فالخلافات والتباينات السياسية لا تبرر الصمت، ولا ان ينبطحوا لكل مايملى عليهم من قرارات تستهدف القوات المسلحة والأمن الجنوبية، كما ان المسؤولية التاريخية لا تمنح أحداً منهم حق غض الطرف عن الإجراءات القسرية التي تستهدف هذه القوات وقياداتها ووحداتها. ومن يختار الصمت أمام تفكيكها، أو يساهم فيه، سيتحمل مسؤوليته أمام التاريخ والأجيال وسيلعنه الشعب جيلاُ بعد جيل، ولن يكون بمقدوره التنصل من تبعات موقفه.
أما القوات المسلحة والأمن الجنوبية، فقد أثبتت أنها باقية وصامدة على الأرض، وستواصل أداء واجبها في الدفاع عن الوطن ومكتسبات شعبه، وعن الجنوب وقضيته، حتى تتحقق تطلعات شعب الجنوب في بناء دولته الجنوبيةالفيدراليةالمنشودة، وتبقى رايته خفاقة في سماء الحرية بإذن الله .
وهنا تبرز أهمية تجربة الأحزمة الأمنية والنخبة الحضرمية والقوات المسلحة الجنوبية؛ فهي لم تولد من فراغ، وإنما جاءت في سياق تاريخ عسكري جنوبي طويل، تداخلت فيه الخبرة القديمة مع متطلبات المرحلة الجديدة، وقدم منتسبوها تضحيات كبيرة في مواجهة الإرهاب والتهديدات العسكرية والأمنية المختلفة.
ومن هنا، فإن الوفاء لرجال الجيش الجنوبي الذين أسسوا وطوروا تلك المؤسسة، وللشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الوطن، لا يكون باستحضار ذكراهم في المناسبات فقط، وإنما بالحفاظ على إرثهم العسكري، وصون خبراتهم، والاستفادة منها في بناء مؤسسة عسكرية جنوبية حديثة، مهنية ومنضبطة، تقوم على الكفاءة والاستحقاق، وتحظى بالاحترام والدعم، وقادرة على حماية الأرض والشعب والمقدرات.
إن الأول من سبتمبر ليس مجرد تاريخ في التقويم، وليس مناسبة لاستعادة الماضي من أجل الماضي؛ بل هو ذاكرة جيش، وذاكرة وطن، ودرس تاريخي يؤكد أن قوة الدول لا تقاس بعدد الأسلحة وحدها، وإنما بقدرة مؤسساتها على حماية الوطن، وبكفاءة رجالها، وبانضباطها، وبوحدة قرارها، وبما تحظى به من ثقة واحترام.
وفي هذه الذكرى المجيدة، نحيي جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ونحيي كل من حمل رايته، ونترحم على شهدائه، ونستذكر أجياله التي صنعت مجداً عسكرياً سيظل حاضراً في ذاكرة الجنوب.
كما نحيي رجال القوات المسلحة والأمن الجنوبية الذين واصلوا أداء واجبهم في أصعب الظروف، ونترحم على شهدائهم، ونؤكد أن التضحيات التي قدموها لا ينبغي أن تكون ذريعة لتفكيك ما بنوه، بل أساساً لتطويره وتنظيمه ضمن مؤسسة عسكرية وأمنية جنوبية، مهنية قادرة على أداء واجباتها الوطنية.
وفي الاخير لا يسعنا الا ان نقول،
إن من عرف قيمة الجيش بالأمس، يدرك اليوم أن بناء مؤسسة عسكرية قوية لا يبدأ بتفكيك القوة الموجودة، ولا بتهميش رجالها، ولا بحرمانها من مقومات العمل، وإنما يبدأ بالحفاظ على الخبرة، وتعزيز الانضباط، وتوفير التدريب والتسليح والمرتبات، وتوحيد القرار العسكري، وبناء مؤسسة تحظى بثقة شعبها وتحمي أرضها وسيادتها.
فالتاريخ العسكري ليس مجرد صفحات في الكتب، والشهداء ليسوا مجرد أسماء في قوائم الذكرى، والتضحيات ليست أرقاماً عابرة؛ إنها مسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل، وأمانة يجب أن يحملها كل من يتطلع إلى بناء دولة ومؤسسة عسكرية تليق بتاريخ وطنها وتضحيات رجالها.
الأول من سبتمبر سيظل يوماً للجيش الجنوبي، وذاكرة وطن لا تموت.
كل عام والجيش الجنوبي ورجاله الأوفياء بخير، والرحمة والخلود لشهدائه الأبرار، والتحية لكل من حمل شرف الزي العسكري وأدى واجبه دفاعاً عن وطنه.



الأكثر زيارة


عاجل.. انفـ.ـجار عنيف يهز مدينة الضالع .

الإثنين/31/أغسطس/2026 - 03:36 ص

هز انفجار عنيف، قبل قليل، أرجاء مدينة الضالع، مما أثار حالة من القلق والهلع في أوساط السكان الذين استفاقوا على وقع دوي قوي سُمع في أنحاء متفرقة من الم


أهالي منطقة العمري يثمنون الدعم السنوي للشيخ بن سعدون بتوفير.

الإثنين/31/أغسطس/2026 - 04:07 م

أعرب أولياء أمور الطلاب في منطقة العمري، عن خالص شكرهم وعظيم امتنانهم للشيخ أحمد ناجي بن سعدون، تقديراً لدعمه المتواصل وسخائه الدائم في توفير الحقيبة


رفضاً للوصاية وتأكيداً على تقرير المصير.. حلف وجامع حضرموت ي.

الإثنين/31/أغسطس/2026 - 05:31 م

دعا رئيس كتلة حلف وجامع حضرموت، المقدم سالم مبارك بن سميدع، أبناء المحافظة وجماهير الجنوب إلى المشاركة الفاعلة في إحياء ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي، غدا


الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي أفشل مخطط استنزاف القوة الجنوب.

الإثنين/31/أغسطس/2026 - 02:05 ص

أكد صالح حقروص، صحفي جنوبي، أن الرهان كان على استنزاف القوات المسلحة الجنوبية في حرب اليمن، كما استُنزف الجيش المصري في حرب اليمن خلال ستينيات القرن ا