النظام السعودي وعقدة الزعامة
الأحد - 06 سبتمبر 2026 - 11:09 م
صوت العاصمة/ إعداد د. فؤاد علي ناصر الحاج
الحلقة الختامية
سقوط إمبراطورية الوصاية
هل انتهى زمن الهيمنة السعودية؟
المقدمة:
جدار الوصاية يتصدع
كنا على مدار خمس حلقات قد سافرنا عبر عقودٍ من التاريخ العربي المعاصر. رأينا كيف حولت السعودية اليمن إلى ساحة دمٍ ممتدة، وكيف تساور الشكوك دورها في اغتيال زعماء غيّروا وجه المنطقة، وكيف دمرت العراق وليبيا وسوريا باسم "#مواجهة_التهديد"، وكيف حولت البحرين إلى محافظةٍ تابعةٍ والكويت إلى رهينةٍ اقتصادية، وكيف واجهت قطر والإمارات وعُمان هيمنتها بأشكالٍ مختلفة.
( نضع هذا الأمر بين هلالين أو مزدوجين بمفهوم العداوات المكتملة مع الأنظمة العربية سواء كانت جمهورية او ملكية، ليقول النظام السعودي أنا الأخت الكبرى وعلى الجميع أن يطيع مرغما وليس مخيرا)
لكن السؤال الذي يبقى — وهو السؤال الذي تدور حوله هذه الحلقة الختامية — ليس فقط:
*ماذا فعلت السعودية؟* *بل:* *
*إلى أين تتجه المنطقة؟*
*وهل يمكن لسياسة الوصاية أن تستمر؟*
*الفصل الأول:*
*عقدة الزعامة تشخيص المرض*
الجذور: دولةٌ تخاف من الجميع، وكما قلنا خلقت عداوات مع الجميع.
لنفهم النظام السعودي، يجب أن نفهم خوفه. فهو نظامٌ ملكيٌ في عالمٍ أصبحت فيه الملكيات استثناءً. وهو نظامٌ قبليٌ في عالمٍ تتآكل فيه الولاءات القبلية. وهو نظامٌ دينيٌ يخالف الدين والسنة كشرعيةٍ سياسيةٍ في عالمٍ يتساءل فيه الشباب عن كل شيء.
هذا الخوف — من الثورة، من الجمهورية، من الزعامة المستقلة، من الشعب — هو ما يُفسّر "عقدة الزعامة". فالرياض لا تريد أن تكون "دولةً بين دول"، بل تريد أن تكون "الأمير الوحيد" الذي يقرر مصير الجميع.
*الأدوات: من المال إلى السلاح إلى الاغتيال*
*طوّرت السعودية أربع أدواتٍ رئيسيةٍ لفرض وصايتها:*
*أولاً:* المال. فالبحرين تعيش على إعانات أبو سعفة، والكويت تواجه ابتزاز المنطقة المقسومة، وعُمان والأردن يتلقيان مساعداتٍ مقابل الصمت.
*ثانياً:* السلاح. ففي البحرين، أرسلت الدبابات عبر جسر الملك فهد. وفي اليمن، تقود تحالفاً دمارياً منذ 2015. وفي سوريا، دعمت المعارضة المسلحة بكثافة.
*ثالثاً:* الحصار. فقد حاصرت قطر براً وبحراً وجواً لثلاث سنوات ونصف، وحاصرت اليمن ولم تنتج حلول بل تستغل ثرواته وعزلت سوريا دولياً.
*رابعاً:* الاغتيال. فقد تساور الشكوك دورها في وفاة عبد الناصر، وفي إطاحة صدام حسين، وفي مقتل القذافي، وفي اغتيال إبراهيم الحمدي.
هذه الأدوات — مجتمعة — شكلت آلةً هائلةً للهيمنة. لكنها — كما سنرى — وصلت إلى حدودها.
*الفصل الثاني:*
حدودالوصاية — أين فشلت الرياض؟
اليمن: المستنقع الذي يبتلع الأموال والأرواح
دخلت السعودية اليمن عام 2015 وعدت بـ"عاصفة حزم" تنتهي خلال أسابيع. لكن بعد أكثر من عشر سنوات، اليمن لا يزال ساحة حربٍ مستعرة. فقد فشلت الرياض في إسقاط الحوثيين، وفشلت في إعادة "الحكومة المسماه ب المعترف بها" إلى صنعاء، وفشلت في حماية حدودها من الصواريخ الباليستية، وخلقت مشكلة في الجنوب وجرائم حرب، هي تخضع كل شيء للمال، ولم يخطئ أحدهم حين قال أن النفط السعودي كان ولازال وبال على جيرانها والمنطقة العربية عموما، ونضيف أنه وبال على الشعب السعودي والجيران والدول العربية وإلى كل الأماكن التي وصلت وتصل إليها يد النظام السعودي.
اليمن أصبح "فيتنام السعودية". فقد كبدت الرياض مليارات الدولارات، وأضعفت مكانتها الدولية، وحولتها إلى دولةٍ موصومة بانتهاك القانون الدولي، وهذا الأمر تؤكده *صحراء حضرموت والمهرة والضالع حيث ارتكبت قوات الجو السعودي جرائم ضد الإنسانية.*
قطر: الحصار الذي عزّز المحاصَر
حاصرت الرياض الدوحة لثلاث سنوات ونصف، وفرضت 13 مطلباً ذليلاً، وهددت بحفر قناةٍ تُحوّلها إلى جزيرة. لكن *النتيجة*؟ "لم تنهار قطر ولم تنحنِ". بل أصبحت أكثر استقلالاً، وأقوى اقتصادياً، وأوسع علاقاتٍ دولية.
فشل الحصار القطري هو فشلٌ نموذجيٌ لسياسة الوصاية. فقد أثبت أن الدول الصغيرة — إذا امتلكت الإرادة والموارد والتحالفات — يمكنها أن تتحدى الهيمنة وتنتصر.
سوريا: المشروع الذي تحول إلى كابوس
دعمت الرياض المعارضة السورية بكثافةٍ منذ 2011، بهدف إسقاط الأسد. وإسقاطه وإن تم ولكنه يظهر تدخل الرياض في اسقاط الأنظمة وتدخلها في شؤون الدول وهذا مخالف لأنظمة الأمم المتحدة، بل ترك سوريا ارض محطمة ودولة ضعيفة وشعب مكلوم، حيث هجر الملايين من السوريين واستشهد الكثير وجل ما يصنعه النظام السعودي هو زرع الجوع والبؤس والتشرد، وصدق الشهيد علي عنتر حين
وصف مساعدات النظام السعودي الذي عرف التمر بأنه ابو المساعدات السعودية ، قال علي عنتر ردوها تحت كل تمرة جمرة.
الإمارات: الحليف الذي أصبح منافساً
كانت الإمارات أقرب حلفاء الرياض. لكن اليوم، تتنافسان على النفوذ في اليمن والسودان، وتتنافسان اقتصادياً على الاستثمارات، وتتبادلان الاتهامات بالخيانة. فقد تحول "الأخ الأصغر" إلى منافسٍ خطيرٍ يمتلك أموالاً وعلاقاتٍ دوليةً قد تتفوق على الرياض
*الفصل الثالث:* الثمن — من يدفع فاتورة الوصاية؟
الشعوب هي الضحية
في كل حالةٍ من حالات التدخل السعودي، كان الثمن — في النهاية — يدفعه الشعب:
- في اليمن: جرائم حرب في الجنوب وعودة وانتشار الإرهاب
- في العراق: دولةٌ مُدمَّرة، ومجتمعٌ مُفكَّك، وإرهابٌ انتشر في كل مكان.
- في سوريا: حربٌ أهليةٌ دمرت البلاد، وهجّرت نصف السكان.
- في ليبيا: دولةٌ انهارت، ومليشياتٌ تحكم الشوارع.
- في البحرين: وصاية سعودية والدبابات السعودية تحكم المنامة بالقوة.
- في الكويت: سيادةٌ مُتنازَعٌ فيها، وبرلمانٌ يُجبَر على الموافقة على تنازلاتٍ مُذلَّة.
السعودية لم تدفع الثمن. فهي دولةٌ غنيةٌ تستطيع شراء السلاح والصمت الدولي. لكن الشعوب — تلك التي تدّعي الرياض أنها "تحميها" — هي التي تدفع الثمن دوماً،الأخير
رعت فيها الجوع والإرهاب وتحويلها إلى دول فاشلة.
*الفصل الرابع:*
مستقبل الوصاية — هل انتهى الزمن؟
التحولات الإقليمية: إيران وتركيا وإسرائيل
لم تعد المنطقة — كما كانت في الستينيات — ساحةً سعوديةً خالصة. فقد دخلت قوىٌ إقليميةٌ جديدةٌ على الخط:
- إيران: تُشكّل تحالفاتٍ مع العراق وسوريا واليمن (الحوثيين) ولبنان، وتُحاصر السعودية من كل جانب.
- تركيا: تدخلت عسكرياً في ليبيا وسوريا وقطر، وبنت قواعدً عسكريةً في الخليج.
- الإمارات وسعت علاقاتها ورفضت وصاية الرياض والبحرين والمغرب، كل هذه الدول تُنافس السعودية على دور "الحليف الأمريكي الأول" في المنطقة.
هذه التحولات تعني أن السعودية لم تعد "اللاعب الوحيد" في الملعب. بل أصبحت واحدةً من عدة لاعبين، وقد تكون — في بعض الساحات — الأضعف.
*التحولات الداخلية: جيلٌ جديدٍ يسأل*
داخل السعودية نفسها، يتغير المشهد. فقد أطلق ولي العهد محمد بن سلمان "رؤية 2030" التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وفتح المجتمع. لكن هذه الرؤية — رغم طموحها — لا تغير حقيقة أن النظام السياسي لا يزال ملكياً مطلقاً وديكتاتوريا حتى داخل العائلة الملكية هناك ظلم وإقصاء.
وهناك من يسأل داخل السعودية هل الحروب وتدمير الأوطان وعسكرة وشراء الذمم بالمال، وقتل شباب المسلمين هل هذا هو رؤية محمد بن سلمان 2030م
والجيل الجديد من السعوديين — المُتصل بالعالم عبر الإنترنت — يسأل أسئلةً لم يكن آباؤهم يجرؤون على طرحها. فلماذا ندفع مليارات الدولارات لحروبٍ لا نهاية لها في اليمن؟
ولماذا نحاصر قطر الشقيقة؟ ولماذا نتدخل في شؤون الدول الأخرى بينما نحن في حاجةٍ إلى الإصلاح الداخلي؟
السلطان قابوس يستقبل وزير الخارجية الإيراني — نموذجٌ على أن الاستقلال ممكنٌ حتى في محيطٍ مهيمن
هذه الأسئلة — رغم أنها تُطرح بصوتٍ خافتٍ في الغالب — قد تكون بدايةً لتغييرٍ حقيقي.
*الخلاصة: نحو شراكةٍ أم نحو انهيار؟*
إن ما كشفه هذا التحقيق — عبر خمس حلقات — هو أن سياسة الوصاية السعودية لم تكن مجرد سياسةٍ خارجية. بل كانت "عقدة" نفسيةً وجوديةً. فالنظام السعودي يرى نفسه مهدداً من كل شيء: من الثورة، من الجمهورية، من الزعامة المستقلة، من الشعب الذي يطالب بحقوقه.
وهذه العقدة — رغم كل ما أنفقته من مالٍ وسلاح — فشلت في تحقيق أهدافها:
- لم تُسقط الحوثيون في اليمن.
- لم تُكسر إرادة قطر.
- لم يعول عليها في السماح لبناء جمهورية حقيقية ودولة مؤسسات في سوريا.
- لم تُبقِ البحرين مستقرةً (بل حوّلتها إلى دولةٍ محتلة).
- لم تُحافظ على وحدة الخليج (بل مزّقته إلى معسكرات).
*البديل: الشراكة أم الهيمنة؟*
المستقبل — إذا أرادت المنطقة أن تنهض — يتطلب تخلي السعودية عن منطق الوصاية. فلا يمكن لمجلس التعاون الخليجي أن يكون "اتحاداً" حقيقياً إذا كان أحد أعضائه يفرض إرادته على البقية. ولا يمكن للعلاقات العربية أن تتحسن إذا كانت الرياض ترى في كل زعيمٍ مستقلٍ عدواً يجب التخلص منه.
*البديل* ليس ضعفاً. بل هو قوةٌ حقيقية. فالدول القوية — كتركيا وإيران — لا تفرض وصايتها على جيرانها بالحصار والاغتيال. بل تبني تحالفاتٍ قائمةً على المصالح المشتركة.
*هل تستطيع السعودية أن تفعل ذلك؟* هل تستطيع أن ترى في الجنوب جاراً شقيقاً يستحق أن يعامل بالاحترام، وتحترم حقه في،تقرير مصيره على أرضه لا ساحةً للتدخل؟ وهل تستطيع أن ترى في قطر شريكاً متساوياً، لا تابعاً يجب معاقبته؟ وهل تستطيع أن ترى في الإمارات منافساً يمكن التعايش معه، لا عدواً يجب عزله؟
*السؤال الأخير:*
*إن السؤال الذي تتركه هذه الحلقات للقارئ هو: هل النظام السعودي قادرٌ على التغيير؟*
فالتاريخ — كما رأينا — يُكرر نفسه. ففي كل مرةٍ واجهت الرياض تحدياً، لجأت إلى نفس الأدوات: المال والسلاح والحصار. وفي كل مرةٍ، كانت النتيجة فشلاً مُدوياً.
لكن ربما — وربما فقط — يأتي يومٌ يدرك فيه النظام السعودي أن الوصاية لم تعد ممكنة، وأن الزعامة لا تُفرض بالسلاح بل تُكتسب بالاحترام، وأن الجار القوي أفضل بكثير من الجار الضعيف.
إلى ذلك اليوم — إن جاء — ستبقى المنطقة رهينةً لعقدة الزعامة السعودية. وستبقى الشعوب تدفع الثمن.
*خاتمة التحقيق*
على مدار خمس حلقات، سافرنا عبر سجلٍ أسود من التدخلات والاغتيالات والوصاية. رأينا كيف حولت السعودية البلاد إلى ساحة تدخلات ووصاية، وكيف تساور الشكوك دورها في اغتيال الزعماء، وكيف دمرت الجمهوريات العربية، وكيف أذلت ممالك الخليج الأصغر.
لكننا رأينا أيضاً — في قطر وعُمان — أن الاستقلال ممكن. ورأينا أن الحصار لا يكسر الإرادة. ورأينا أن الدول الصغيرة يمكنها أن تنتصر على الهيمنة.
هذا التحقيق لا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. لكن ما هو مؤكد — وموثقٌ تاريخياً — هو أن سياسة الوصاية السعودية خلفت دماراً هائلاً في المنطقة العربية.
*والسؤال الذي يبقى — بعد كل هذه الحلقات — هو سؤالٌ بسيطٌ لكنه عميق:*
*هل يمكن للنظام السعودي أن يتخلى عن عقدة الزعامة قبل أن تتخلى المنطقة عن النظام السعودي؟*
نهاية التحقيق
*ملاحظة تحريرية:* هذا التحقيق الصحفي الشامل استند إلى المصادر التاريخية والأكاديمية والوثائقية المتاحة.