الأرض لا تنسى: تأملات في معنى الجنوب
الإثنين - 05 أكتوبر 2026 - 01:58 ص
صوت العاصمة/ بقلم | صدام عبيد يسر الزبيدي
هناك أشياء تستطيع السياسة أن تؤجلها لكنها لا تستطيع أن تمحوها وهناك خرائط يمكن أن تتغير وأسماء يمكن أن تتبدل وأنظمة سياسية يمكن أن تصعد ثم تغيب لكن الأرض تظل تحتفظ بشيء لا تستطيع القرارات السياسية مصادرته: الذاكرة.
فالجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية في طرف خارطة اليمن، وليس مجرد ملف سياسي ظهر في لحظة عابرة من تاريخ المنطقة الجنوب قبل أن يكون قضية سياسية هو علاقة بين الإنسان والمكان وبين الذاكرة والأرض وبين التاريخ وما يتركه في وجدان الأجيال ولهذا فإن السؤال عن الجنوب لا ينبغي أن يبدأ دائما من السياسة ربما يجب أن يبدأ من الأرض.
الأرض لا تنسى المدن التي تغيرت أسماؤها، ولا الطرق التي عبرها الناس ولا الموانئ التي حملت حكايات أجيال ولا البيوت التي بقيت شاهدة على زمن مضى عدن ليست مجرد مدينة على البحر وحضرموت ليست مجرد محافظة واسعة وشبوة وأبين ولحج والمهرة ليست مجرد وحدات إدارية على خارطة سياسية. لكل مكان ذاكرته ولكل مدينة علاقتها الخاصة بأهلها ولكل مجتمع تجربته التاريخية التي صنعت جزءا من وعيه بذاته.
قد تستطيع السياسة أن تعيد رسم الحدود، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة تشكيل الذاكرة وهنا يكمن أحد أكثر الأسئلة عمقا في القضية الجنوبية: هل يمكن تغيير شكل الوطن من دون أن تتغير ذاكرة أهله؟
قد يبدو الاسم في السياسة تفصيلا، لكنه في الوعي الجمعي ليس كذلك. فالأسماء تحمل التاريخ وحين يقول الإنسان "الجنوب" فهو لا يشير فقط إلى اتجاه جغرافي بل يستحضر مكانا وتجربة وهوية وذاكرة سياسية واجتماعية تشكلت عبر عقود طويلة.
لهذا فإن اختزال الجنوب في صراع على السلطة يضيّق معنى القضية فالقضية الجنوبية ترتبط أيضا بسؤال أعمق: كيف يرى مجتمع ما نفسه وكيف يريد أن يكون مستقبله وما الشكل السياسي الذي يعتقد أنه يستطيع من خلاله حماية هويته ومصالحه وكرامته؟ وهذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالقوة وحدها ولا يمكن دفنها تحت لغة سياسية مؤقتة.
التاريخ السياسي للمنطقة يبين أن الخرائط ليست دائما انعكاسا كاملا لهويات المجتمعات فالحدود تتغير والدول تتحد والدول تنقسم والأنظمة تتبدل لكن المجتمعات لا تبدأ من الصفر في كل مرة تتغير فيها الخريطة. وهذا ما يجعل التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها مجرد نتيجة سياسية للحرب أو الخلاف على السلطة قراءة ناقصة فالجنوب يحمل ذاكرة أقدم من كثير من الأزمات السياسية الراهنة.
ومن هنا فإن أي مشروع سياسي للمستقبل يحتاج إلى فهم هذه الذاكرة، لا إلى تجاهلها فالسلام الحقيقي لا يعني فقط إسكات السلاح وإنما يعني أيضا الوصول إلى صيغة سياسية تستطيع المجتمعات أن ترى نفسها فيها، وتشعر معها أن حاضرها لا يلغي تاريخها، وأن المستقبل لا يتطلب منها التخلي عن ذاكرتها.
الوطن ليس مجموعة خطوط مرسومة على ورق الوطن هو المكان الذي يشعر الإنسان أنه ينتمي إليه واللغة التي يستعيد بها ذاكرته والمدينة التي يرى فيها طفولته والبحر الذي يعرفه والشارع الذي يحمل أسماء من سبقوه.
ولهذا يمكن أن تتغير الدولة بينما يبقى الوطن في الوعي وقد تتغير الحدود بينما تبقى الهوية وقد تسقط أنظمة سياسية بينما تبقى الأسئلة التي لم تجد إجابة. وهنا يصبح الجنوب حالة تستحق التأمل بعيدا عن الشعارات: ما الذي يجعل الإنسان متمسكا بمكانه حتى عندما تتغير السياسة من حوله؟
إنه ليس التراب وحده بل الذاكرة التي تجعل التراب معنى.
في عدن تختلط الذاكرة بالبحر. مدينة مفتوحة على العالم، عرفت التجارة والموانئ والهجرة والثقافات المختلفة وكانت عبر تاريخها نقطة اتصال بين الجزيرة العربية وشرق أفريقيا والمحيط الهندي. وفي حضرموت تتخذ الذاكرة شكلا آخر هناك علاقة عميقة بين الأرض والهجرة والتجارة والبحر، وبين الداخل والساحل وبين الإنسان ومكانه.
وفي شبوة وأبين ولحج والمهرة لكل منطقة تجربتها الاجتماعية والتاريخية الخاصة لكن هذه التعددية لا تنفي وجود مساحة واسعة من الوعي الجنوبي المشترك بل ربما يكون التنوع نفسه أحد عناصر قوة الجنوب فالهوية لا تعني أن تكون المدن متشابهة وإنما أن تستطيع اختلافاتها أن تجد مكانا داخل معنى أوسع للوطن.
لكن الخطر الذي يواجه أي قضية وطنية هو أن تتحول الذاكرة إلى سجن. فالذاكرة مهمة لكنها لا ينبغي أن تمنع المستقبل. وإذا كان التاريخ يفسر لماذا تشكل الوعي الجنوبي، فإن المستقبل يجب أن يجيب عن سؤال آخر: ماذا يريد الجنوب أن يكون؟
هذه هي النقلة التي يحتاجها الخطاب الجنوبي: من استعادة الذاكرة إلى بناء المستقبل ومن سرد المظلومية إلى صياغة المشروع، ومن الحديث عن الماضي إلى التفكير في الدولة والمؤسسات والاقتصاد والتعليم والخدمات والأمن والعدالة.
فالوطن لا يعيش بالذاكرة وحدها. الوطن يحتاج إلى دولة تحمي كرامة الإنسان ومؤسسات تخدم المجتمع واقتصاد يخلق الفرص وقضاء يحفظ الحقوق وإدارة تجعل المواطن يشعر أن الدولة موجودة من أجله لا فوقه.
قد يكون من السهل أن نتحدث عن الجنوب باعتباره تاريخا لكن الجنوب الذي يستحق أن يبقى ليس الجنوب الذي يعيش في الكتب فقط بل الجنوب الذي يستطيع أن يقدم لأبنائه مستقبلا أفضل. وهنا تصبح الوطنية مسؤولية لا مجرد عاطفة.
أن تحب الجنوب يعني أن تريد لمدنه أن تكون أفضل وأن تريد لحضرموت أن تستفيد من مواردها وأن تريد لعدن أن تستعيد دورها الاقتصادي والبحري وأن تريد لشبوة وأبين ولحج والمهرة أن تتحول جغرافيتها إلى فرص للتنمية. أن تحب الجنوب يعني أيضا أن يكون الإنسان الجنوبي هو المستفيد الأول من ثروات أرضه وموقعها.
فالحديث عن الوطن من دون الإنسان يفقد الوطن معناه.
إلى الذين حملوا الجنوب في قلوبهم
وفي كل حديث عن الجنوب لا يمكن أن تمر الذاكرة من دون أن تتوقف طويلا أمام أولئك الوطنيين الذين قدموا الغالي والنفيس من أجل قضيتهم ووطنهم، وأمام كل من حمل هم الجنوب في قلبه ودفع من عمره وراحته وماله وجهده وواصل طريقه في أصعب الظروف دون أن ينتظر مقابلا أو تصفيقا.
هؤلاء هم الذين ينبغي أن تحفظ الأرض أسماءهم وأن تبقى تضحياتهم جزءا من الذاكرة الجنوبية. فمنهم من قدم حياته ومنهم من فقد عزيزا، ومنهم من عاش سنوات من التعب والحرمان ومنهم من حمل الكلمة والقلم ومنهم من عمل في الميدان ومنهم من خدم الناس في صمت ومنهم من ظل متمسكا بما يؤمن به رغم تبدل الظروف وقسوة الطريق.
وليس الوفاء لهم أن نكرر أسماءهم فقط، بل أن نفهم معنى ما قدموه.
فالتضحيات لا تصبح عظيمة بمجرد عددها، وإنما بما تتركه من مسؤولية في وجدان الأحياء. ومن قدم الغالي والنفيس من أجل وطنه لم يقدم ذلك لكي تتحول الوطنية إلى خصومة بين أبنائه، أو لكي يصبح الاختلاف سببا لتمزيق المجتمع، وإنما لكي يكون للإنسان مستقبل أكثر عدلا وكرامة وأمانا.
ولهذا فإن أعظم تكريم للوطنيين الذين ضحوا من أجل الجنوب هو أن يتحول ما قدموه إلى بناء، وأن تصبح تضحياتهم جسرا نحو المستقبل، لا وقودا لصراعات جديدة.
إن الجنوب الذي يليق بتضحيات أبنائه هو جنوب يحترم الإنسان، ويحفظ حقوقه، ويصون كرامته، ويقدر اختلافه، ويؤمن بأن الوطن أكبر من الأشخاص وأبقى من اللحظة السياسية.
وإذا كانت الأرض تحفظ آثار من مروا عليها، فإن واجب الأحياء أن يحفظوا معنى ما قدمه أولئك الذين سبقوهم.
الوطن الذي يستحق المستقبل
وربما يكون أكبر درس يمكن استخلاصه من التاريخ أن الهوية وحدها لا تكفي. فالهوية تحتاج إلى مؤسسات تحميها، والدولة تحتاج إلى مجتمع يشعر بأنه شريك فيها. ولهذا فإن مستقبل الجنوب لا يمكن أن يبنى فقط على استعادة الاسم أو استحضار التاريخ، بل على الإجابة عن أسئلة الدولة الحديثة: كيف ستكون المؤسسات؟ كيف ستدار الثروة؟ كيف ستضمن الحقوق؟ كيف ستبنى علاقة عادلة بين المحافظات؟ وكيف سيحصل المواطن على التعليم والصحة والخدمات؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد قيمة أي مشروع سياسي في المستقبل، لأن الوطن الذي لا يستطيع أن يحمي حقوق مواطنيه سيظل ناقصا مهما كانت قوة شعاراته.
الأرض لا تنسى لكنها أيضا لا تعيش في الماضي. الأرض تنتظر أبناءها كي يحولوا ذاكرتها إلى مستقبل. تنتظر من يحول الموانئ إلى اقتصاد، والثروات إلى تنمية والمدن إلى حياة والهوية إلى مؤسسات والتاريخ إلى درس لا إلى صراع دائم.
وهنا ربما يكمن المعنى الأعمق للجنوب. فالجنوب ليس مجرد مكان نعود إليه في الذاكرة وإنما سؤال مفتوح عن المستقبل. وإذا كانت الأرض قد حفظت أسماء مدنها وطرقها وموانئها وذاكرة أهلها فإن مسؤولية الجيل الجديد هي أن يضيف إلى هذه الذاكرة شيئا يستحق أن تتذكره الأجيال القادمة.
لا تحتاج الأوطان إلى أن ترفع صوتها دائما حتى تثبت وجودها. أحيانا يكفي أن تبقى في ذاكرة أهلها. لكن الذاكرة وحدها لا تبني وطنا. الوطن يبنى حين تتحول الذاكرة إلى رؤية، والهوية إلى مشروع، والجغرافيا إلى اقتصاد، والتاريخ إلى وعي، والسياسة إلى مؤسسات.
وعندها فقط يصبح السؤال عن الجنوب أكبر من سؤال الماضي؛ يصبح سؤالا عن الإنسان، وعن الدولة، وعن العدالة، وعن المستقبل.
وربما لهذا السبب تحديدا لا تزال الأرض قادرة على أن تقول شيئا بعد كل هذه السنوات:
إنها لا تنسى من كان عليها، ولا تنسى ما حدث فوقها، لكنها أيضا لا تنتظر من أبنائها أن يعيشوا في الماضي. إنها تنتظر منهم أن يصنعوا مستقبلا يليق بذاكرتها.
فالجنوب ليس فقط أرضا نتذكرها بل وطن صنع أبناؤه تاريخه بتضحياتهم وما زال ينتظر منهم أن يصنعوا مستقبله.
مقال حصري لصحيفة «صوت العاصمة»
صدام عبيد يسر الزبيدي.
كاتب وباحث سياسي