السعودية في فخ استراتجيتها اليمنية : الحو.ثيون يستنزفون القوة والجنوب يربك الحسابات
الأحد - 11 أكتوبر 2026 - 01:31 ص
صوت العاصمة/ بقلم / البرفيسور توفيق جزوليت
إن أهم ما ينبغي استخلاصه من استمرار قدرة الحوثيين على استهداف مواقع داخل السعودية، بما فيها مواقع ذات أهمية استراتيجية، هو أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يضمن وحده تحقيق الأهداف السياسية.
وتبرز هنا ثلاثة أبعاد:
استمرار التهديد: إذا احتفظ الحوثيون بقدرتهم على ضرب أهداف بعيدة، فإن ذلك يفرض على السعودية أعباء مستمرة في الدفاع الجوي وحماية المنشآت الحيوية.
استنزاف الموارد: لا تُقاس كلفة الحرب بالخسائر البشرية والمادية فقط، بل أيضًا بتأثيرها في الاقتصاد والأمن والاستقرار الإقليمي.
الفجوة بين القوة العسكرية والنتيجة السياسية: حتى عندما يتكبد أحد الأطراف خسائر كبيرة، قد يحتفظ بأدوات تمكّنه من مواصلة القتال وعرقلة التسوية.
لذلك، فإن السؤال المركزي ليس فقط: كم خسر الحوثيون؟ بل أيضًا: هل تستطيع الرياض تحويل عملياتها العسكرية إلى تسوية سياسية تحقق أهدافها الأمنية؟
إحدى أهم الإشكاليات في الاستراتيجية السعودية. أنها تدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وتخوض المواجهة ضد الحوثيين، بينما تتمسك غالبية الجنوبيين، وفي مقدمتهم المجلس الانتقالي الجنوبي، بمطلب استعادة دولتهم.
وهذا يضع السياسة السعودية أمام معضلة واضحة: كيف يمكن بناء جبهة عسكرية وسياسية متماسكة ضد الحوثيين، في ظل استمرار الخلاف حول مستقبل الجنوب وشكل الدولة اليمنية؟
إن مشاركة قوات جنوبية في القتال ضد الحوثيين لا تعني بالضرورة موافقتها على المشروع السياسي الذي تدعمه الرياض. فهناك فارق جوهري بين الاتفاق على مواجهة خصم عسكري مشترك، والاتفاق على مستقبل الدولة والسلطة والسيادة.
وإذا أرادت السعودية توحيد القوى المناهضة للحوثيين، فإن تجاهل المطالب السياسية الجنوبية قد يزيد صعوبة تحقيق هذا الهدف، بدلًا من تسهيله.
لا يمكن فهم القضية الجنوبية بمعزل عن العلاقات السعودية الإماراتية. فالرياض وأبوظبي تتقاطع مصالحهما في ملفات خليجية وإقليمية عديدة، لكن اختلاف مقاربتهما لمستقبل الجنوب والقوى المحلية المؤثرة فيه قد يخلق تنافسًا ينعكس على تماسك المعسكر المناهض للحوثيين. وتكمن الإشكالية في أن أي خلاف بين الدولتين حول الجنوب لا يظل بالضرورة خلافًا دبلوماسيًا؛ إذ يمكن أن يمتد إلى طبيعة الدعم المقدم للقوى المحلية، وترتيبات الأمن، ومستقبل المؤسسات العسكرية والسياسية.
في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة. أفادت رويترز في 7 أكتوبر 2026 بوقوع قتلى وجرحى جراء هجمات استهدفت مطاري الرياض وأبها، فيما أعلنت قيادة التحالف اعتراض صواريخ باليستية في 8 أكتوبر. وتكشف هذه التطورات عن استمرار التهديد الأمني، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على النتيجة النهائية للحرب.
يمكن تلخيص التحديات السعودية في أربعة محاور مترابطة: المأزق الأمني
استمرار التهديد الصاروخي والطائرات المسيّرة يفرض أعباء دفاعية وأمنية، حتى مع استمرار الضربات السعودية المضادة.
المأزق السياسي : لا يؤدي إضعاف الحوثيين عسكريًا بالضرورة إلى تسوية مستقرة ما دامت الخلافات قائمة بشأن شكل الدولة اليمنية وحق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم.
مأزق الحلفاء : اختلاف حسابات القوى الشمالية والجنوبية يجعل بناء قيادة سياسية وعسكرية موحدة مهمة معقدة.
المأزق الإقليمي : أي تباين سعودي إماراتي بشأن مستقبل الجنوب قد يزيد صعوبة التنسيق الإقليمي، إذا انعكس على الدعم المقدم للقوى المحلية.
ما المخرج من هذه المعضلة؟
من منظور تسوية سياسية مستدامة، هناك ثلاثة أسئلة لا يمكن تجاوزها:
هل تستطيع الرياض تحقيق أمنها من دون معالجة الأسباب السياسية للصراع اليمني؟
هل يمكن بناء تحالف فعال ضد الحوثيين إذا ظلت القوى الجنوبية تشعر بأن مشاركتها العسكرية لا تقابلها استجابة لمطالبها السياسية؟
هل يمكن الوصول إلى تسوية مستقرة إذا جرى التعامل مع مستقبل الجنوب باعتباره قرارًا إقليميًا، بدلًا من قضية تتطلب مشاركة الجنوبيين أنفسهم في تقرير مستقبلهم؟
إن معالجة هذه المسائل لا تعني أن استعادة الدولة الجنوبية نتيجة مضمونة، بل تعني أن تجاهل القضية الجنوبية لا يوفر بحد ذاته ضمانة للاستقرار…،إن جوهر هذا التحليل هو الربط بين ثلاثة ملفات كثيرًا ما تُناقش منفصلة: القدرة العسكرية للحوثيين، ومستقبل القضية الجنوبية، وحدود التوافق السعودي الإماراتي.
ويمكن صياغة الاستنتاج بصورة أكثر دقة على النحو الآتي: تواجه الرياض تحديًا استراتيجيًا متعدد الأبعاد؛ فهي مطالبة بحماية أمنها، ومواجهة خصم يحتفظ بقدرات هجومية مؤثرة، وإدارة علاقات مع حلفاء تختلف رؤيتهم لمستقبل اليمن، والتعامل مع قضية جنوبية لم تُحسم سياسيًا.
و من هنا اطرح السؤال المركزي : هل تستطيع السعودية بناء استقرار مستدام في اليمن من دون مراجعة سياستها تجاه الجنوب، أم أن استمرار الخلاف حول مستقبل الجنوب سيظل أحد العوامل التي تعقّد حربها مع الحوثيين؟