التعزية التي حولت الصدمة إلى عقيدة وصمود .
الأربعاء - 21 أكتوبر 2026 - 11:17 م
صوت العاصمة/ كتب/ د. يحيى شايف ناشر الجوبعي
أ- المقدمة :
حين يصدر الخطاب السياسي في لحظات الانكسار الدموي ، فإنه يتجاوز آليات العزاء البروتوكولي ليتحول إلى وثيقة تأسيسية لإدارة الوعي والردع وهذا ما يلحظ في قراءة برقية الأخ الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي رئيس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية عقب استهداف مليشيات الحوثي الإرهابية لمعسكر العلم في شبوة
ب- تحليل النص
تكشف هذه القراءة الأبعاد والدلالات العميقة للنص من خلال تحليل نقاطه المحورية على النحو الآتي :
أولا :السردية التاريخية والذاكرة المؤسسة.
تاريخيا لا ينفصل النص عن سياق الصراع الممتد ؛ فهو دائما ما يربط اللحظة الراهنة بالسجل الأسود لجماعة عدوانها لازال مستمرا ، محولا الحدث من مجرد فاجعة عارضة إلى حلقة في مسار تاريخي يتطلب الوعي الدائم.
وهنا يبرز مبدأ عدم سقوط الجرائم بالتقادم كمرتكز حقوقي وتاريخي يمنع أي محاولة مستقبلية لتبييض صفحة المعتدي معلنا استقلالية القرار الجنوبي وقطع دابر استغلال جغرافية الجنوب كمسرح لحروب الآخرين في الشمال.
ثانيا :تحويل الصدمة إلى عقيدة وصمود
يعمل الخطاب بوصفه مرساة أمان تمتص صدمة الفقد لدى أسر الضحايا والمجتمع الشبواني والجنوبي عامة ، فالقيادة هنا لا تقدم عزاء عاطفيا نفسيا فحسب ، بل تمارس تطهيرا جمعيا يحول طاقة الغضب والحزن إلى طاقة صمود وصلابة وثبات.
واجتماعيا يدمج النص بين دائرة الأسرة والقبيلة (شبوة) والكيان الوطني
الأوسع (الجنوب) مجسدا في ثنائية واضحة بين الجماعة الداخلية المدافعة عن الأرض والجماعة الخارجية المعتدية ومختتما بطقس تضامني ديني يوطد العقد الاجتماعي بين القيادة والشعب الجنوبي.
ثالثا :صلاحية الفعل وقوة الردع٠
زاوج النص بحرفية عالية بين معجم الألم والحزن ومعجم الصلابة والسيادة معززا هذه الهندسة البنائية بأداة النفي الأبدي (لن تضيع ولن تسقط) لتمنح الوعود صفة القوانين الحتمية.
إن التحرك التداولي للنص جعله يوجه رسائل متعددة أبرزها: رسائل الثبات للشعب الجنوبي وقيادته ورسائل الردع لقوى الاحتلال اليمني الإرهابية الحوثية منها والإخوانية ورسائل للخصوم وللأطراف الإقليمية بوضع خطوط حمراء أمام أي محاولة لجر الجنوب إلى أتون صراعات لا يملك قرارها.
رابعا:السيادة كأفق نهائي للمعنى.
تكمن قيمة النص في تحويل بنيته الرثائية إلى إعلانا سياديا صارما ، ولهذا أصبحت الدماء لا تفهم كخسارة بيولوجية وحسب ، بل تتحول إلى رأس مال رمزي وطني لا يقبل المساومة.
كما أن المفارقة بين المسؤولية المباشرة للحوثي بدرجة رئيسية ومسؤولية قرار الحرب الملقاة على عاتق الأطراف الأخرى تكشف وعيا استراتيجيا رفيعا يفصل تماما بين حرب الدفاع عن الحدود والسيادة الجنوبية وبين حروب العمق الشمالي المستدرجة.
ج- الخلاصة:
إن برقية الرئيس المفوض عيدروس قاسم الزبيدي ليست مجرد نص تعزية ، بل هي بيان استراتيجي متكامل يختزل إرادة شعب يرفض أن تباح أرضه أو يسلب قراره كما يثبت بأن الدم الجنوبي هو الحصن الذي تتكسر عليه كل محاولات إعادة تدوير الصراع أو فرض وقائع جديدة خارج إطار مشروع استعادة الدولة الجنوبية المستقلة.
د. يحيى شايف ناشر الجوبعي