مداد العاصمة



هل المجالس التنسيقية البديلة ضرورة، أم محاولة لإحلال بديل عن الإرادة الجنوبية؟

الإثنين - 26 أكتوبر 2026 - 12:30 ص

هل المجالس التنسيقية البديلة ضرورة، أم محاولة لإحلال بديل عن الإرادة الجنوبية؟

صوت العاصمة/ كتب/ فضل صالح



لا يمكن فهم ظهور المجالس التنسيقية الجديدة بمعزل عن التطورات السياسية التي شهدها الجنوب منذ أحداث يناير من العام الحالي، وما أعقبها من قيام سلطة أمر واقع في ظل النفوذ السعودي المباشر، ومحاولات فرض واقع سياسي جديد يتجاوز المجلس الانتقالي الجنوبي، انطلاقًا من قرار سعودي بحلّه، رغم استمرار المجلس في ممارسة مهامه على أرض جميع محافظات الجنوب، وتمسّك قطاعات واسعة من الجنوبيين به بوصفه كيانًا سياسيًا وطنيًا نشأ بإرادتهم وعبّر عن تطلعاتهم.

فالمسألة لا تتعلق بمجرد إنشاء مجالس للتنسيق أو توسيع قنوات التواصل بين القوى الجنوبية، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال جوهري: هل جاءت هذه المجالس استجابةً لحاجة وطنية حقيقية، أم أنها جزء من مسار سياسي يستهدف إيجاد بدائل عن المجلس الانتقالي الجنوبي وإعادة تشكيل التمثيل السياسي الجنوبي وفق ترتيبات تفرضها سلطة الأمر الواقع؟

إن المجلس الانتقالي الجنوبي ليس كيانًا طارئًا فُرض على الجنوبيين من الخارج، بل هو كيان سياسي نشأ بإرادة جنوبية، وتشكّل عبر مسار سياسي وشعبي، وأصبح إطارًا جامعًا لقطاع واسع من الجنوبيين ومعبّرًا عن تطلعاتهم السياسية؛ لذلك، فإن صدور قرار سعودي بحلّه لا يعني بالضرورة انتهاء وجوده أو زوال حضوره السياسي، ولا يمنح أي جهة خارجية الحق في تقرير مصيره نيابةً عن الجنوبيين.

فالأمر لا يتعلق بقرار يُعلَن من الخارج، بل بواقع سياسي قائم على الأرض. فالمجلس الانتقالي الجنوبي، لا يزال يمارس مهامه في جميع محافظات الجنوب، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول جدوى إنشاء مجالس تنسيقية يُراد لها أن تؤدي أدوارًا بديلة عنه، في وقت لا يزال فيه حاضرًا في المشهد السياسي الجنوبي.

ومن هنا، فإن التعامل مع قرار الحلّ السعودي وكأنه أنهى وجود المجلس الانتقالي يتجاهل الفارق بين الرغبة في إنهاء كيان سياسي والقدرة الفعلية على إنهائه. فالكيانات التي تستند إلى قاعدة شعبية وإرادة سياسية لا تنتهي بالضرورة بمجرد صدور قرارات ضدها، كما أن وجودها لا يُلغى بمجرد إنشاء كيانات أخرى أو منحها الاعتراف من سلطة الأمر الواقع.

وتزداد هذه التساؤلات أهميةً عند النظر إلى أن قوى جنوبية أخرى شاركت في التفويض السياسي، وأسهمت في صياغة الميثاق الوطني الجنوبي الجامع. فإذا كانت هذه القوى قد شاركت في بناء إطار وطني مشترك، فما الذي تغيّر حتى أصبح إنشاء مجالس تنسيقية خارج ذلك الإطار خيارًا مطروحًا؟

وهل استُنفدت وسائل معالجة الخلافات وتطوير آليات العمل المشترك، أم أن هناك مسارًا سياسيًا جديدًا يراد من خلاله إعادة ترتيب المشهد الجنوبي بما يتوافق مع توجهات السلطة القائمة؟

إن السؤال ليس عن حق القوى الجنوبية في التنظيم أو التنسيق، فهذا حق لا جدال فيه، وإنما عن دوافع إنشاء هذه المجالس وتوقيتها وأهدافها السياسية. فمن حق أي قوة جنوبية أن تنظم صفوفها وتعبّر عن رؤيتها، لكن من حق المجتمع الجنوبي أيضًا أن يسأل عن الغاية من إنشاء أطر جديدة في ظل وجود كيان سياسي قائم، وعن القيمة المضافة التي ستقدمها هذه المجالس، وما إذا كانت ستعزز وحدة الصف أم ستزيد المشهد انقسامًا وتشتتًا؟!

وإذا كانت الغاية الحقيقية من هذه المجالس هي توحيد الصف الجنوبي وتعزيز الشراكة الوطنية، فإن الطريق إلى ذلك يبدأ باحترام الإرادة الشعبية، ومعالجة الخلافات بالحوار، وتطوير آليات العمل المشترك، لا بتجاوز الكيانات القائمة أو التعامل مع القرارات الخارجية وكأنها أنهت وجود المجلس الانتقالي الجنوبي، بوصفه كيانًا سياسيًا وطنيًا نشأ بإرادة جنوبية، ولا يزال يمارس مهامه على أرض جميع محافظات الجنوب، ويحظى بتأييد قطاعات واسعة من أبنائه.

أما إذا كان الهدف هو إيجاد بدائل سياسية تحظى بقبول سلطة الأمر الواقع، وتُقدَّم بوصفها ممثلًا جديدًا للجنوب في ظل استمرار المجلس الانتقالي في ممارسة مهامه، فإن المسألة تتجاوز التنسيق إلى إشكالية سياسية أعمق تتعلق بمصدر الشرعية وحدود التدخل الخارجي في تشكيل التمثيل الجنوبي.

وهنا يبرز السؤال الأهم: من يملك حق تحديد ممثلي الجنوب ورسم مستقبل قضيته السياسية؛ شعبه وقواه الوطنية، أم السلطات التي تسعى إلى فرض خياراتها استنادًا إلى موازين القوة والنفوذ الخارجي؟

إن الشرعية السياسية لا تُكتسب بمجرد الاعتراف الرسمي، ولا تُصنع بقرار صادر عن سلطة أمر واقع، كما أنها لا تُمنح تلقائيًا لأي مجلس جديد لمجرد الإعلان عن تأسيسه. فالشرعية ترتبط بمدى الاستناد إلى الإرادة الشعبية، ووضوح المشروع السياسي، والقدرة على التعبير عن تطلعات المجتمع، والاستقلالية في اتخاذ القرار.

ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء مجالس تنسيقية جديدة لا يمنحها تلقائيًا صفة التمثيل الشعبي، كما أن قبول السلطة القائمة بها أو دعمها لها لا يجعلانها بالضرورة بديلًا عن المجلس الانتقالي الجنوبي. فالمعيار ليس الاعتراف الذي تحصل عليه هذه المجالس من السلطة القائمة، بل مدى تعبيرها عن إرادة الجنوبيين، وقدرتها على تقديم إضافة حقيقية للعمل الوطني المشترك.

ولا يعني ذلك رفض التعدد السياسي أو مصادرة حق القوى الجنوبية في العمل المستقل، بل يقتضي التمييز بين التعدد الذي يثري الحياة السياسية ويعزز الشراكة، وبين إنشاء أطر جديدة قد تتحول، بفعل ظروف نشأتها أو طبيعة ارتباطها بالسلطة القائمة، إلى أدوات لإعادة تشكيل التمثيل السياسي الجنوبي من خارج الإرادة الشعبية.

فالقضية الجنوبية أكبر من أن تُختزل في أسماء المجالس أو تعدد الهياكل التنظيمية؛ إنها قضية شعب يسعى إلى تقرير مستقبله السياسي، ويحتاج إلى أطر تعبّر عن إرادته، وتحافظ على استقلالية قراره، وتعمل على توحيد صفوفه بدلًا من تكريس الانقسامات بين مكوناته.

*خلاصة القول*:

إن المعيار الحقيقي للحكم على المجالس التنسيقية الجديدة ليس عددها ولا الشعارات التي ترفعها، بل ظروف نشأتها، وأهدافها، واستقلالية قرارها، ومصدر شرعيتها، ومدى إسهامها في خدمة القضية الجنوبية.

فإذا كانت هذه المجالس تسعى فعلًا إلى تعزيز التنسيق والشراكة، فإن ذلك ينبغي أن ينعكس في ممارساتها ومواقفها، وفي احترامها للإرادة الشعبية والأطر السياسية القائمة. أما إذا كانت تسعى إلى الحلول محل المجلس الانتقالي الجنوبي استنادًا إلى واقع سياسي تسعى السعودية إلى فرضه، فإن من حق الجنوبيين التساؤل عن شرعية هذا المسار وأهدافه، وعن مدى اتساقه مع حقهم في اختيار ممثليهم وتحديد مستقبل قضيتهم بأنفسهم.

فالمجلس الانتقالي الجنوبي لا ينتهي بمجرد قرار سعودي، ما دام مستمرًا في ممارسة مهامه على أرض جميع محافظات الجنوب. والإرادة الجنوبية لا يمكن تجاوزها بمجرد إنشاء مجالس بديلة أو منحها صفة التمثيل من خارج المجتمع.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الجهات القائمة على إنشاء هذه المجالس بوضوح ومسؤولية:
*هل جاءت هذه المجالس لتوحيد الصف الجنوبي وتعزيز شراكته الوطنية، أم لإعادة تشكيل تمثيله السياسي بما يتوافق مع واقع تسعى السعودية إلى فرضه، اعتقادًا منها أن بالإمكان تجاوز المجلس الانتقالي الجنوبي وإحلال بدائل عنه، رغم استمراره في ممارسة مهامه وتمسّك قطاعات واسعة من الجنوبيين به؟*

فالإرادة الشعبية ليست قرارًا إداريًا يُلغى، والتمثيل الوطني ليس منصبًا تمنحه السلطات أو تسحبه متى شاءت؛ بل هو مسؤولية سياسية تتأسس على ثقة الناس وحقهم في تقرير خياراتهم. ولا يمكن لأي مشروع بديل أن يكتسب شرعيته الحقيقية إلا من خلال احترام هذا الحق، لا من خلال محاولة الالتفاف عليه أو فرض بدائل سياسية من خارجه.



الأكثر زيارة


من جامعة مانشستر.. د. عبدالجليل شايف يكشف إخفاق الدبلوماسية .

الأحد/25/أكتوبر/2026 - 12:06 ص

أكد الدكتور عبدالجليل شايف، أستاذ العلاقات الدولية، أن استمرار الحرب في اليمن لسنوات طويلة يكشف عن إخفاق واضح للدبلوماسية الدولية في تحقيق السلام ومعا


فتحي بن لزرق وتسريبات المعلومات العسكرية.. استهداف خفر السوا.

السبت/24/أكتوبر/2026 - 11:20 م

أثار قصف مليشيات الحوثي الصاروخي لمقرات ومعسكرات خفر السواحل في العاصمة عدن، مساء اليوم السبت، تساؤلات واسعة بشأن تسريب المعلومات الأمنية والعسكرية ال


خارطة طريق تعزز مسار النضال: الرئيس الزُبيدي يقود الجنوبيون .

الأحد/25/أكتوبر/2026 - 01:08 ص

يمثل الخطاب التاريخي المتلفز الذي وجهه الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنو


عاجل.. انفـ.ـجاران عنيفان يهزان محافظة لحج.

الأحد/25/أكتوبر/2026 - 12:37 ص

أفادت مصادر محلية بسماع دوي انفجارين عنيفين هزا أرجاء واسعة من محافظة لحج قبل قليل. وبحسب المصادر، فإن الانفجارين سُمع صداهما في عدة مديريات وصولاً إل