مداد العاصمة



الجنوب لا يموت… بل يتقن الصمت قبل العاصفة

الأربعاء - 30 يوليو 2025 - 11:50 ص

الجنوب لا يموت… بل يتقن الصمت قبل العاصفة

صوت العاصمة/كتب/وضاح قحطان الحريري

في الجنوب، لا يحتاج المواطن إلى من يُفسر له الألم، فقد أصبح جزءًا من يومياته، تمامًا كما الهواء والماء والخبز المفقود. لا يشتكي كثيرًا، لكنك ترى الغضب في العيون، وترى الصبر المتآكل على الأرصفة، وتسمع في صوته قهرًا مكتومًا لم تعد تخفيه المجاملات الوطنية. الضالع، هذا القلب النابض للوجع والكرامة، خرجت اليوم لا لتصيح في الهواء، بل لتدق جرس الخطر: الجنوب لم يعد يحتمل مزيدًا من التجويع ولا مزيدًا من العبث.

الهتاف الشعبي لم يكن موجّهًا لمليشيا، ولا لحكومة بحد ذاتها، بل لكل من قرر أن يجعل من الجنوب حقل تجارب للفشل والانهيار. فالناس لم يثوروا على قرار سعر، بل على مشروع إذلال مستمر منذ سنوات، باسم الشرعية حينًا، وباسم الشراكة حينًا، وباسم انتظار الحل حينًا آخر. جنوب اليوم ليس جنوب ما بعد الحرب فقط، بل جنوب ما بعد الصبر.

ما يجري اليوم في شوارع الضالع وعدن وأبين ولحج وكل شبر جنوبي، ليس مجرد موجة غضب. إنها إعادة تعريف للوجود الجنوبي: شعب لم يخرج ليفرض نفسه على أحد، بل خرج ليرد الاعتبار لهويته وتاريخه وثقافته ودماء شهدائه. نحن لم نُخلق لكي نكون هامشًا في دولة تنهار، ولا عبئًا على تحالف يبحث عن مخرج مشرف من ورطته. الجنوب ليس جسر عبور لأحد، ولا ورقة مساومة على طاولات العواصم.

تاريخيًا، حاولوا طمس الجنوب من المناهج، ومسح اسمه من الإعلام، وتذويبه في وحدة مزيفة أنتجت الحرب والخذلان. لكن الحراك الجنوبي منذ يومه الأول اختار السلم، لا عن ضعف، بل عن وعي وذكاء. وبنفس العقلية، واجه الغزو الحوثي الفارسي بصدور المقاومين وسواعد الفلاحين، لا بالدبابات ولا بطائرات الدعم، بل بالحق والإرادة. ولهذا خسر الحوثي في الجنوب أسرع مما توقع الجميع. لكنه عاد لاحقًا، بوجه آخر، عبر بوابة الشرعية الفاشلة، وبأدوات الفساد والتجويع والخصخصة المقنّعة.

وهنا تبدأ الكارثة: أن يتحول الجنوب من ساحة نصر إلى ساحة نكران، من رمز للتحرير إلى ساحة للفقر، من أرض للكرامة إلى حقل اختبار للسياسات المفروضة من خلف الحدود. والمؤلم أن هذه المأساة تدار بواجهات جنوبية أحيانًا، ترفع علم الجنوب لكنها لا تعرف كيف تخدمه، وتتحدث باسمه لكنها لا تحس بوجعه.

وسط هذه العتمة، برزت قرارات المجلس الانتقالي بإعادة هيكلة مؤسساته، دمجًا وتوحيدًا وإعادة تنظيم. وفي الظاهر، تبدو خطوة تصحيحية، لكن الشارع لا يُخدع بسهولة. فالجنوبي لا يبحث عن عدد الهيئات أو تسمياتها، بل عن جدوى وجودها. هل ستصل الكهرباء؟ هل سيتوقف الانهيار؟ هل سيتغير شكل المفاوض الجنوبي؟ هل ستُكسر حلقة المحسوبية والمناطقية؟ الناس تسأل: هل هذه الهيكلة خطوة نحو بناء دولة، أم مجرد إعادة توضيب للمشهد القائم؟ الجنوبي لم يعد يحتمل إصلاحًا فوق الورق، ولا خططًا تنتهي في المكاتب.

وما يزيد المسألة تعقيدًا أن ما يجري في الجنوب لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأشمل. فكما أن استقرار الشام مستحيل في ظل ما يسمى "إسرائيل الصغرى"، فإن استقرار اليمن والجنوب خاصة مستحيل في ظل مخطط "إسرائيل الكبرى"، تلك التي لا تظهر على الخريطة لكنها تتحرك في القرار، وتُشعل الجبهات حين تشاء، وتطفئها حين تنضج تسوية تخدم مصالحها. نحن أمام مشروع تفكيك ناعم، لا يأتي بالدبابات، بل بالجوع، والتضليل، وتكريس الفوضى كواقع لا يُمكن تغييره.

هنا، يصبح الوعي الجنوبي هو السلاح الوحيد القادر على التصدي. فالشعب الذي صنع النصر ذات يوم، قادر على صيانة الحلم، إذا توفرت له قيادة شفافة، وإعلام وطني، وإرادة سياسية تضع الناس قبل المصالح.

هذا ليس وقت التشكيك، لكنه أيضًا ليس وقت المجاملات. الجنوب يحتاج اليوم إلى فعل، لا إلى تنظير. إلى معركة تنمية، لا معارك على المناصب. إلى مشروع حقيقي يعيد الكرامة للإنسان الجنوبي، لا إلى لجان وخطط تستنزف الوقت بينما يموت المواطن واقفًا.

من هنا، فإن هذه التظاهرات هي إنذار مبكر. صوت من تحت الرماد. الغضب الذي لا يُسمع اليوم، قد يُفجر غدًا واقعًا جديدًا لا يمكن التنبؤ بنتائجه. الجنوب لا يموت… لكنه إذا نهض، لا يعود إلى النوم.



الأكثر زيارة


الضالع .. التحدي والبجاش يتأهلان في ختام الدور الأول لمسابقة.

الثلاثاء/10/مارس/2026 - 01:17 ص

اختُتمت منافسات الدور الأول من مسابقة شكع الثقافية الرمضانية الكبرى الثالثة عشر، التي تُقام في مجلس العميد أحمد حُميد، بمواجهة جمعت فرق المجموعة الثال


محمد بن زايد يطلب من ترامب تصنيف “إخوان السودان واليمن” تنظي.

الثلاثاء/10/مارس/2026 - 01:01 ص

كشف موقع MTV Lebanon أنّ اتصالاً هاتفياً جرى بين رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان ورئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، تطرّق إلى ملف جماعة الإ


مقامرة "الاستقطاب".. صعود مجتبى خامنئي يضع إيران أمام اختبار.

الثلاثاء/10/مارس/2026 - 12:49 ص

قالت صحيفة "نيويورك تايمز" إن صعود مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد الإيراني الأعلى، خلفًا لوالده علي خامنئي، الذي قتل في الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ال


التميمي : ندعو إلى تصنيف فرع تنظيم الإخوان باليمن منظمة إرها.

الثلاثاء/10/مارس/2026 - 04:55 ص

الإخوان المسلمون تنظيم دولي عابر لحدود الدول الوطنية . وانطلاقا من ذلك فإن مايتصل به ، أو بفروعه في أي دولة كانت ، ليس شأن داخلي يخص هذه الدولة أو تلك