عدن على أعتاب مرحلة جديدة: ترتيبات أمنية شاملة، دعم سعودي مستمر، ومسار لحوار جنوبي جامع
الأحد - 18 يناير 2026 - 11:20 م
صوت العاصمة/ بقلم / رافت رشاد
لم يكن اللقاء الذي جمع نخبة من الإعلاميين والمراسلين مع مستشار قائد القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء الركن فلاح الشهراني، مجرد إحاطة إعلامية عابرة، بل مساحة مفتوحة لقراءة ملامح مرحلة جديدة تتشكل أمنيًا وتنمويًا وسياسيًا في العاصمة المؤقتة والجنوب عمومًا.
الحديث الذي دار في مقر التحالف بمدينة الشعب عكس توجّهًا واضحًا نحو إعادة ترتيب المشهد العسكري والأمني، بما يتجاوز المعالجات المؤقتة إلى مقاربة مؤسسية أشمل. فقد أكد اللواء الشهراني أن مختلف تشكيلات القوات الجنوبية، بما فيها قوات العاصفة وغيرها، ماضية نحو الاستيعاب ضمن اللجنة العسكرية العليا بقيادة المملكة العربية السعودية، في خطوة تهدف إلى توحيد القرار العسكري وضمان انتظام صرف الرواتب، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية على أسس أكثر انضباطًا ومهنية.
في قلب هذا التوجه، برزت عدن بوصفها نموذجًا يُراد له أن يستعيد طابعه المدني. إذ أوضح الشهراني أن المهام الأمنية داخل العاصمة ستُناط بقوات الأحزمة الأمنية ووحدات الشرطة، مقابل إخراج التشكيلات العسكرية من داخل المدينة، بما فيها قوات درع الوطن وألوية العمالقة الجنوبية. هذا التوجه، وفق ما طُرح، لا ينفصل عن رؤية أوسع لتحييد المدن عن الصراعات العسكرية، وتهيئة بيئة مستقرة تسمح بعودة الحياة الطبيعية وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
ومن بين النقاط اللافتة في اللقاء، الحديث عن تشكيل قوات «الأمن الوطني» عبر دمج قوات الأحزمة الأمنية مع الشرطة، في مسعى لتوحيد الجهود الأمنية، وإنهاء حالة الازدواجية، وبناء جهاز أمني يعمل وفق معايير مؤسسية واضحة. وهو مسار، إن كُتب له النجاح، قد يشكّل تحولًا نوعيًا في إدارة الملف الأمني داخل عدن.
هذا التحول لا يقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل يمتد إلى الفضاء المدني والخدمي. إذ أشار اللواء الشهراني إلى خطط لتحويل عدد من المعسكرات، من بينها معسكر جبل حديد، إلى مرافق مدنية وترفيهية وتعليمية، بما يعكس قناعة بأن استقرار المدن لا يُقاس فقط بغياب السلاح، بل بحضور الخدمات والمساحات العامة التي تلبّي احتياجات الناس.
وفي البعد التنموي، بدا الدعم السعودي حاضرًا بوصفه ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار. فقد شدد الشهراني على استمرار الدعم الذي تقدمه المملكة العربية السعودية لعدن والجنوب واليمن عمومًا، سواء عبر دعم الرواتب أو قطاع الكهرباء، ضمن حزمة أخيرة تُقدّر بنحو 1.9 مليار ريال سعودي، إلى جانب حزم دعم سابقة ولاحقة. وهو دعم، كما أُكد، لا يُنظر إليه كإجراء إسعافي، بل كجزء من التزام طويل الأمد بتحسين حياة المواطنين.
أما سياسيًا، فقد حمل اللقاء رسائل واضحة بشأن قضية الجنوب. إذ أكد اللواء الشهراني أن المملكة تنظر إليها كقضية سياسية حقيقية، وتعمل على ترتيب حوار جنوبي شامل يفضي إلى بلورة رؤية موحدة لحل عادل، مع إبقاء مختلف الخيارات مطروحة للنقاش، وهو ما عكسته اللقاءات التشاورية التي استضافتها الرياض مؤخرًا.
وفي سياق متصل، أشاد الشهراني بوعي أبناء عدن، مثمنًا نجاح الفعالية المليونية الأخيرة، ومؤكدًا احترام التحالف لحق الجنوبيين في التظاهر السلمي والتعبير عن آرائهم. كما شدد على أن التحالف لن يقف ضد أي فعاليات سلمية في العاصمة، مع الإشارة إلى أن بعض التجاوزات الفردية التي رُصدت لا تعبّر عن أبناء الجنوب ولا عن طبيعة علاقتهم بالمملكة، وهو ما أجمع عليه الحاضرون.
في المحصلة، بدا اللقاء أقرب إلى دعوة مفتوحة لتحمّل المسؤولية المشتركة في هذه المرحلة الحساسة: مسؤولية الإعلام في مواجهة الإشاعات وحملات التضليل، ومسؤولية الأجهزة الأمنية والسلطة المحلية في ترسيخ مدنية عدن، ومسؤولية القوى الجنوبية في إنجاح مسار الحوار. فبين الأمن والتنمية والسياسة، تتشكل ملامح مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز البحث عن الاستقرار الدائم، لا الحلول المؤقتة.