في خطوة عكست جوهر الصراع بين الاستحقاقات الوطنية والامتيازات السلطوية، كشفت التطورات الأخيرة عن عمق الموقف النضالي الذي اتخذه الرئيس عيدروس الزبيدي، والذي فضل مغادرة مربع المناصب المريحة في مجلس القيادة والتحلل من قيود التبعية السياسية مقابل التمسك بكرامة القضية الجنوبية وثوابتها.
وأكدت مصادر دولية ومراقبون أن الزبيدي، الذي كان بإمكانه البقاء رئيساً مُبجلاً يمتلك كافة صلاحيات السلطة والرفاهية إلى ما لا نهاية، اختار المسار الأصعب حين رفض إعلان الطاعة في اللحظات الأخيرة، مفضلاً الوفاء بعهده الشهير "عهد الرجال للرجال" على حساب المكاسب الشخصية.
وتأتي هذه التحركات لتضع حداً لحالة الجمود السياسي، حيث اختار القائد تجنيب العاصمة عدن ويلات القصف والدمار، محولاً نفسه إلى هدف مباشر للقوى المعادية بدلاً من أن تتحول المدينة إلى محرقة أو تتعرض القوات الجنوبية للاستنزاف تحت ضربات الطيران، وهو ما فسرته الجماهير بأنه تضحية استراتيجية للحفاظ على سلامة المكتسبات العسكرية والأمنية في الجنوب.
ورغم محاولات الماكينات الإعلامية المأجورة تصوير هذا الانسحاب التكتيكي على أنه "هروب" للنيل من رمزيته، إلا أن التفاف الشارع الجنوبي كشف زيف هذه الادعاءات، وأثبت أن الثقة بالقيادة نابعة من إيمان عميق بقدرة الرجل الذي خبر الجبال والميادين على المناورة في أحلك الظروف.
وفي سياق متصل، برزت أصوات من داخل دوائر المنتفعين ممن نالوا مناصبهم بفضل هذه القيادة لتوجيه انتقادات جاحدة، إلا أن منطق التاريخ يضع هؤلاء في مواجهة سؤال الوفاء، مؤكداً أن الفرق الجوهري يكمن في من يبيع عند أول اختبار ومن يدفع ثمن مواقفه من أمنه وراحته.
إن هذه المرحلة، بكل ما فيها من تعقيدات وأخطاء بشرية واردة في ميادين العمل، تؤسس لمرحلة جديدة من النضال الصامت والفعال، حيث يبقى الزبيدي أسطورة ملهمة للأجيال بصفته القائد الذي لم ينكسر ولم يبدل مواقفه، مضحياً بكل ما يملك دون ضجيج أو مساومة في سبيل تأمين مستقبل الجنوب بعيداً عن صواريخ الغدر والارتهان للخارج.