هل تغيّر الموقف السعودي من القضية الجنوبية فعلًا؟
الإثنين - 19 يناير 2026 - 02:00 ص
صوت العاصمة/ بقلم : الصحفي صالح حقروص
أثار البيان الصادر اليوم الأحد في الرياض بشأن ما سُمّي بـ«اللقاء الجنوبي لمناقشة جهود حل قضية الجنوب» موجة واسعة من التساؤلات، وفتح باب الجدل حول ما إذا كانت المملكة العربية السعودية قد غيّرت بالفعل موقفها من القضية الجنوبية، أم أن ما يجري لا يعدو كونه إعادة تموضع سياسي فرضته ظروف وضغوط إقليمية ودولية.
ظاهريًا، يوحي البيان بحدوث تحول في الخطاب السعودي تجاه الجنوب، وهو ما يخالف المألوف في السياسة السعودية خلال السنوات الماضية. غير أن التمعّن في سياق الأحداث يكشف أن هذا التحول لم يأتِ نتيجة قناعة راسخة بعدالة القضية الجنوبية، بقدر ما جاء نتيجة أخطاء سياسية وعسكرية جسيمة وضعت المملكة في موقف حرج أمام المجتمع الدولي.
فالتفويض الدولي الممنوح للسعودية كان واضحًا في محاربة ميليشيا الحوثي، لا في استهداف القوات المسلحة الجنوبية، التي أثبتت أنها شريك فاعل في مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، وحققت نجاحات ملموسة على الأرض. إلا أن قصف هذه القوات، التي تُعد حليفًا أساسيًا في الحرب، فتح بابًا واسعًا للانتقادات الدولية، ومكّن خصوم المملكة من استثمار تلك الأخطاء سياسيًا وإعلاميًا.
في هذا السياق، يبدو أن الرياض سعت إلى احتواء تداعيات الأزمة عبر محاولة ترميم علاقتها بالجنوبيين، وتقديم نفسها كحليف بديل لدولة الإمارات العربية المتحدة عقب انسحابها من اليمن. وقد ترافقت هذه المحاولة مع وعود بدعم القوات الجنوبية، وصرف مستحقاتها، وتعزيز قدراتها العسكرية، إضافة إلى الإعلان عن دعم مالي بقيمة 500 مليون دولار لمشاريع في الجنوب.
لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في حجم الدعم المعلن، بل في مصداقية النوايا. فالإمارات، خلال فترة وجودها في الجنوب، كانت واضحة في موقفها، صادقة في تحالفها مع الجنوبيين، وداعمة بشكل عملي لمشروع استعادة الدولة الجنوبية وعاصمتها عدن. في المقابل، ارتبط الموقف السعودي تاريخيًا بسياسات أقرب إلى القوى الشمالية، وطرحت مشاريع تتعارض مع تطلعات الجنوبيين، من بينها محاولات تقسيم الجنوب إلى أقاليم، بما يفرغ قضيته من مضمونها الوطني.
من هنا، فإن الحديث عن تحول جذري في الموقف السعودي يظل محل شك مشروع. فتهدئة الشارع الجنوبي وامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد – والذي بدأ ينعكس في وسائل الإعلام الدولية – لا يكفيان لبناء ثقة حقيقية. كما أن تغيير اللهجة السياسية لا يعني بالضرورة تغيير السياسات على الأرض.
إن كسب ثقة الشعب الجنوبي لن يتحقق بالبيانات أو الوعود المؤقتة، بل يتطلب موقفًا سعوديًا واضحًا وصريحًا يعترف بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم، ويدعم علنًا مشروع استعادة دولتهم وعاصمتها عدن. وحتى يحدث ذلك، سيبقى أي حديث عن دعم سعودي حقيقي للجنوب مجرد محاولة لشراء الوقت، لا أكثر.
الصحفي صالح حقروص
2026/1/18م