الجنوب على عتبة المصير : بين دَين التضحيات ووعد الغد
الأربعاء - 21 يناير 2026 - 01:00 ص
صوت العاصمة / قراءة /أحمد حرمل
ان الحوار الجنوبي–الجنوبي، برعاية المملكة العربية السعودية، ليس مجرد حدثٍ سياسي عابر، بل هو خطوة مصيرية تترجم فهماً استراتيجياً عميقاً هو أن أمن المنطقة كلها يبدأ من استقرار الجنوب.
لم تمنح هذه الرعايةُ الحوارَ شرعيته فحسب، بل ستغيّر نظرية العالم إليه، محوّلةً القضية من شأن داخلي إلى ركن أساسي في معادلة الأمن الإقليمي.
وهكذا، فإن مصير هذا الحوار لا يحمل في طياته مستقبل الجنوب وحده، بل ينطوي على تباشير أملٍ لكل المنطقة.
تضحيات تُلهم المستقبل
لم تكن حرب 1994 مجرد حدث تاريخي، بل كانت لحظة اغتصاب إرادة، شكّلت منذ ذلك الحين وقوداً لروح لم تنكسر.
ظل أبناء الجنوب، كشجرةٍ ضاربة في صخر، يناضلون لاستعادة حقهم الأصيل في كتابة مصيرهم.
هذه التضحيات ليست ذكريات تُحكى، بل هي رأس مال وجودي وأخلاقي، يجب أن يكون أساساً صلباً لأي حوار، وضميراً يوجه أي تفاوض.
حين تعيق الخصوصياتُ القضيةَ
رغم وضوح العدالة الناصع للقضية الجنوبية، ظلت بعض القوى الجنوبية ترقص على إيقاع حساباتها الضيقة، وتغرق في مستنقع صراعاتها الشخصية.
لقد تحوّل هذا التشرذم، بسوء طالعه، إلى أكبر هدية تُقدّم للخصوم، وإلى حاجزٍ منيعٍ أمام بناء كتلة تاريخية متجانسة.
إن استمرار هذا الانقسام ليس إلا خدمة مجانية لقوى تراهن على فوضانا، وتتاجر بتهميشنا.
لقد حان وقت الصدق الجريء للقول إن بعض هذه القوى، بتشرذمها، هي من يحفر قبوراً للمؤسسات، ويوهن المواقف، ويبدد دماء الشهداء.
النقد هنا ليس ترفاً فكرياً، بل هو فعل إنقاذ ضروري لكشف الخلل ودفعنا نحو تجاوز أنفسنا.
معيار التمثيل في الحوار
تقع على عاتق اللجنة التحضيرية التي يتم تشكيلها ورعاة الحوار مسؤولية تاريخية لضمان أن يكون صوتُ من على الأرض، من يخوض غمار السياسة ويدفع ثمن المواقف، هو الصوت الأعلى والأكثر حسماً.
ولا غضاضة في إشراك آخرين، شرط أن يكون تمثيلهم مرآةً حقيقية لفاعليتهم وموقفهم الجوهري من القضية، لا أن يتحول الحوار إلى مظلة فضفاضة تُعطي وزناً للصوت على حساب الفعل.
فحوار المصير ليس منصةً للخطابات، بل ورشة عملٍ للذين يكتبون تاريخهم بسلوكهم السياسي، لا بكلماتهم فقط.
ثمة خطر كامن يهدد بتفريغ الحوار من مضمونه بتحويله إلى ساحة لاستعراض القبلية أو الخطابات الدينية أو الاجتماعية المجردة من الرؤية السياسية.
إن إقحام هذه العناصر بشكل يطغى على الجوهر السياسي، يحوّل اللقاء من "مؤتمر مصير" إلى "مهرجان كلام"، تذروه رياح البيانات الإنشائية التي لا تبني دولة.
ليس نجاح هذا الحوار رهناً بالحضور فقط، بل بقدرة الجميع على تنحية هوى النفس لصالح هوية الجنوب.
يجب أن تكون الشراكة الوطنية نسيجاً معقداً وجميلاً، يضم الخبرة السياسية والحضور المجتمعي والكفاءة الوطنية، في إطار من التكامل لا الإقصاء.
فالوحدة الداخلية للجنوب ليست شعاراً نرفعه، بل هي الهواء الذي سيتنفسه الجميع.
نافذة على العالم: خطاب الجنوب الجديد
لا يُبنى المستقبل بمعزل عن العالم ولذا على الدبلوماسية الجنوبية أن تنقل صورة جديدة للعالم باسره صورة شعب يخرج من ركام الماضي ليبني دولةً تؤمن بالتعددية، وترفض الوصاية، وتطرح نفسها شريكاً للعالم قائماً على الاحترام والمصلحة المتبادلة.
يجب أن يكون خطابنا واضحاً ان الجنوب الذي نريده هو ركن استقرار ؛ وليس بؤرة توتر.
الجنوب الذي يتوق إليه قلب كل مُضحٍّ، ليس مجرد أرض تُحرر، بل هو فكرة بنى دولة حديثة، عادلة، قادرة على التكيف والتعايش مع محيطها .
ان حوار الرياض هو امتحان عسير لقدرتنا على تحويل الدماء والآمال إلى إرادة سياسية موحدة.
إلا أن هذا الامتحان مصيره الفشل إذا تغلبت نبرة الفرقة، وأنتصرت لغة الانقسام، أو إذا مُنح الصوت لمن لا يملك إلا الصوت.
ان هذه اللحظة تاريخية، تتطلب منا شجاعة نقد الذات، وعبقرية توحيد الهدف، وإرادة
حديدية لكتابة فصل جديد، يكون أهلاً لدماء الماضي وطموحات المستقبل.
الغد يبدأ الآن، وهو ينتظر منا أن نكون على ارتفاع أحلامنا