مداد العاصمة



قراءة جيوسياسية وقانونية لقضية الجنوب في ضوء تجربة مصر وسوريا

الأحد - 25 يناير 2026 - 01:01 ص

قراءة جيوسياسية وقانونية لقضية الجنوب في ضوء تجربة مصر وسوريا

صوت العاصمة / بقلم / البروفيسور المغربي توفيق جزوليت



يُعدّ الخلط بين مفهومي الانفصال واستعادة الدولة من أكثر الإشكاليات شيوعًا في مقاربة القضية الجنوبية، وهو خلط لا يقتصر على الخطاب الإعلامي، بل يمتد إلى التحليل السياسي والمواقف الدولية. فبينما يُقدَّم مطلب الجنوبيين غالبًا بوصفه نزعة انفصالية، تكشف القراءة التاريخية والقانونية أن القضية في جوهرها تتعلق بدولة سابقة فقدت سيادتها ضمن وحدة فاشلة.


تقدم تجربة الوحدة بين مصر وسوريا (1958–1961) نموذجًا تاريخيًا مهمًا لفهم هذا الفارق، إذ تُبرز كيف يمكن لوحدة غير متكافئة أن تفقد شرعيتها، وتُفضي في النهاية إلى استعادة السيادة لا إلى الانفصال.


يُميّز القانون الدولي بوضوح بين الانفصال، بوصفه خروجًا استثنائيًا عن دولة قائمة، واستعادة الدولة، التي تعني عودة كيان سياسي كان يتمتع بالسيادة الدولية إلى وضعه القانوني السابق بعد وحدة قسرية أو مختلّة. فالانفصال يتطلب تبريرًا قانونيًا معقّدًا، بينما تُعد استعادة الدولة استكمالًا طبيعيًا للحق في تقرير المصير، حين تكون الوحدة قد أُفرغت من مضمونها التعاقدي وفقدت شرعيتها السياسية. وينطبق هذا التمييز على حالات تاريخية متعددة، من أبرزها التجربة السورية عام 1961، التي لم تُصنَّف دوليًا كحالة انفصال، بل كفكّ ارتباط عن وحدة فقدت أسس الشراكة والمساواة.


بالنسبة لتجربة مصر وسوريا ودروسها السياسية أُعلنت الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 قامت على اندماج كامل وسريع، دون بناء مؤسسات تضمن التوازن بين الطرفين. ومع مرور الوقت، أدّت المركزية الشديدة وهيمنة القرار المصري إلى تهميش الدور السوري، سياسيًا وإداريًا واقتصاديًا، ما ولّد شعورًا عامًا بفقدان السيادة.


في عام 1961، أعلنت سوريا استعادة دولتها، ولم يواجه هذا القرار رفضًا دوليًا جوهريًا، ما يعكس إدراكًا ضمنيًا بأن الوحدة كانت قد فقدت شرعيتها. وتؤكد هذه التجربة أن الوحدة، حين لا تقوم على إرادة متساوية وضمانات مؤسسية، تتحول من مشروع اندماج إلى عبء سياسي قابل للانهيار.


فيما يتعلق بالجنوب تمت وحدة 1990 بوصفه دولة مستقلة ذات سيادة، ضمن اتفاق سياسي غير أن هذه الوحدة انتهت عمليًا بحرب 1994، التي حوّلتها من عقد سياسي إلى واقع مفروض بالقوة. ومنذ ذلك الحين، تعرّض الجنوب لتهميش سياسي واقتصادي ممنهج، ما أفقد الوحدة مضمونها التوافقي.


وعليه، فإن توصيف ما يطالب به الجنوبيون على أنه انفصال يتجاهل حقيقة أن الوحدة سقطت سياسيًا وقانونيًا، وأن المطالبة اليوم تتعلق باستعادة دولة قائمة سابقًا، لا بإنشاء كيان جديد.


لا يمكن فصل قضية الجنوب عن موقعه الجيوسياسي الاستراتيجي، المطل على أهم الممرات البحرية الدولية. وقد جعل هذا الموقع الجنوب فاعلًا أساسيًا في معادلات الأمن الإقليمي، وشريكًا فعليًا في جهود مكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة الدولية.


هذا الواقع دفع المجتمع الدولي إلى التعامل مع الجنوب كحقيقة سياسية وأمنية قائمة، حتى في غياب الاعتراف الرسمي. وغالبًا ما يشكّل هذا النوع من الاعتراف الضمني مرحلة تمهيدية تسبق أي تحوّل قانوني أو سياسي أكبر.



يبقى الاعتراف الدولي باستعادة الدولة مسارًا تراكميًا، يتطلب توحيد الخطاب الجنوبي، وتقديم ملف قانوني واضح يميّز بين الاستعادة والانفصال. وفي هذا السياق، يشكّل حوار الرياض محطة سياسية مهمة، ليس لإعلان استعادة الدولة، بل لتثبيت القضية الجنوبية كقضية سياسية مستقلة، وفتح مسار تفاوضي واضح حول حق تقرير المصير. غير أن الخطر يكمن في تحويل الحوار إلى أداة لإدارة الأزمة دون معالجة جذورها، ما قد يؤدي إلى استنزاف القضية بدل حلّها.


تُظهر تجربة مصر وسوريا أن الوحدة، حين تُفرَض مركزيًا وتفتقر إلى الشراكة المتكافئة، تفقد شرعيتها وتصبح عرضة للتفكك. وفي ضوء هذا الدرس التاريخي، يتضح أن قضية الجنوب ليست نزاعًا انفصاليًا طارئًا، بل مسارًا تاريخيًا لاستعادة سيادة أُلغيت قسرًا. إن استعادة الدولة في الجنوب ليست خيارًا سياسيًا ظرفيًا، بل حتمية تفرضها الوقائع التاريخية، والأسس القانونية، والتوازنات الجيوسياسية، وهو ما يجعل إعادة توصيف القضية شرطًا أساسيًا لأي تسوية عادلة ومستدامة.



الأكثر زيارة


القضية الجنوبية وأخطاء السياسة: هل تعيد السعودية إنتاج سياسا.

الأربعاء/21/أكتوبر/2026 - 03:40 م

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي دولة أو قوة سياسية هو أن تتعامل مع الواقع وفق ما تريد أن يكون، لا وفق ما هو عليه فعلًا. فالقضايا الوطنية لا تُحل بفرض ال


التعزية التي حولت الصدمة إلى عقيدة وصمود ..

الأربعاء/21/أكتوبر/2026 - 11:17 م

أ- المقدمة : حين يصدر الخطاب السياسي في لحظات الانكسار الدموي ، فإنه يتجاوز آليات العزاء البروتوكولي ليتحول إلى وثيقة تأسيسية لإدارة الوعي والردع وهذا


البيض: الوحدة غير قابلة للاستمرار وفجر اليمن انـ.ـتحار سياسي.

الأربعاء/21/أكتوبر/2026 - 11:06 م

أكد الممثل الخاص لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي للشؤون الخارجية عمرو البيض، إن الوحدة اليمنية لم تعد قابلة للاستمرار، موضحا أن عملية "فجر اليمن


مطالبات شعبية في خنفر بمنع حمل السـ.ـلاح ليلاً لسائقي الدراج.

الأربعاء/21/أكتوبر/2026 - 11:31 م

تصاعدت المطالبات الشعبية في مديرية خنفر بمحافظة أبين، بضرورة تعزيز الإجراءات الأمنية واتخاذ تدابير حازمة للحد من المظاهر التي تهدد الأمن والاستقرار، و