السياسة الجنوبية بين "المناورة" و"التفويض": هل ابتلعت الرياض الطُّعم أم كسب الجنوب الرهان؟
الأربعاء - 04 فبراير 2026 - 02:00 ص
صوت العاصمة/ كتب / غسان الجيلاني ابو ردفان
من زاوية أخرى وانا افكر في الواقع ومعطياته وكل ما يحدث هناك زاوية تلوح بالأفق تقول هناك تفوق ودهاء سياسي جنوبي كبير تمكن من امتصاص الغضب وحمل المملكة الجمل بما حمل وظل يتفرج برغم الخسارة الفادحة التي تكبدتها القوات الجنوبية من صديق لم يتوقع أحدا لا صديق ولا عدو أن يحدث وان تكون ردة فعل المملكة بهذا الشكل المتوحش وهنا برزت السياسة الجنوبية بقيادة القائد عيدروس بن قاسم الزبيدي وهو يرسل الوفود إلى الرياض ولكن بدون صلاحيات كاملة تمكنهم من اتخاذ القرار هذه الوفود أحرجت الرياض (الغت سردية ضرورة الضربة العسكرية للقوات الجنوبية). برغم من إعلان حلهم للمجلس الانتقالي من الرياض والذي جنب الانتقالي التزامات مستقبلية قد لا تلبي طموح الشعب الجنوبي.
ففي دهاليز السياسة المعاصرة، هناك فارق جوهري بين "الخضوع للأمر الواقع" وبين "إدارة الضغوط لخدمة الأهداف". ما يشهده الملف الجنوبي اليوم ليس مجرد تجاذبات عابرة، بل هو تجسيد لنموذج سياسي فريد، حيث تتحول المناورة إلى استراتيجية بقاء، ويصبح التفويض الشعبي هو "الفيتو" الأخير في وجه أي تسوية منقوصة.
أولاً: فلسفة النتيجة.. الدولة فوق الوسيلة
بالنسبة للقاعدة الشعبية والسياسية في الجنوب، لم تعد الوسائل مقدسة. ثمة نضج سياسي وصل إلى قناعة مفادها: "نحن لا نبحث عن الطريقة، بل عن النتيجة". إن جاءت الدولة المستقلة عبر أروقة الرياض، فمرحباً بها كشريك استراتيجي، وإن فشل الحوار، فليس الجنوب من سيخسر سياسياً. هذه ليست براغماتية ميكافيلية، بل هي "استراتيجية البدائل الجاهزة" التي تجعل من الجنوب طرفاً لا يمكن حصاره في زاوية واحدة.
ثانياً: فخّ المفاوضين.. اختبار النوايا تحت المجهر الدولي
لم يكن إرسال المفاوضين إلى الرياض يوماً اعترافاً بشرعية مسار يهمش القضية الجنوبية، بل كان "ضربة معلم" سياسية حققت ثلاثة أهداف في آن واحد:
- تفريغ الضغط الدولي: عبر إثبات أن الجنوب ليس طرفاً "معطلاً" أو رافضاً للسلام.
- اختبار الجدية الإقليمية: وضع الوعود السعودية على محك التنفيذ.
- المشاركة دون ارتهان: الدخول في الحوار كطرف ندي، وليس كملحق تابع.
المعنى هنا واضح: الجنوب دخل الحوار بجسده، لكن روحه ومشروعه ظلا مرابطين في عدن.
ثالثاً: زلزال "الحل غير الشرعي".. رسالة لمن يهمه الأمر
جاءت محاولة إعلان حل المجلس الانتقالي بطريقة غير شرعية لتكشف المستور. هذا الحدث لم يكن مجرد خطأ إجرائي، بل كان "لحظة كاشفة" لحدود الدور الإقليمي في محاولة هندسة الواقع الجنوبي من الخارج.
ردة الفعل كانت حاسمة: "إيقاف مؤقت لعضوية المشاركين". هي رسالة مزدوجة؛ لا قطيعة كاملة تحرق الجسور، ولا تسليم كامل يفرط في السيادة. إنها سياسة "مسك العصا من المنتصف" في وقت الرياح العاتية.
رابعاً: التفويض الشعبي.. الصخرة التي تتحطم عليها الوصاية
هنا تكمن الجوهرية: الشرعية في الجنوب تستمد أنفاسها من الشارع، لا من عواصم الإقليم. * أي اتفاق لا يلبي طموح الشعب هو والعدم سواء.
- أي مسار يتجاوز المجلس الانتقالي هو مسار فاقد للأهلية السياسية.
لقد أثبت الوعي الجمعي الجنوبي أن "الشرعية الشعبية" هي الحصن الأخير، وهي أقوى بمراحل من أي "شرعية إقليمية" تُمنح في غرف الفنادق المغلقة.
خامساً: "ربح كل السيناريوهات".. العقل السياسي البارد
يدير الجنوبيون اليوم صراعاً بعقلية "لاعب الشطرنج":
- إن نجح الحوار: فالدولة هي المطلب والحصاد.
- إن فشل الحوار: فالجنوب لم يخسر شيئاً، وقواته على الأرض هي الضامن.
- إن فُرضت نتائج مشوهة: فالجنوب غير ملزم بها، ولن تمررها الإرادة الشعبية.
هذا التكتيك هو قمة "تقليل الخسائر وتعظيم المكاسب" في بيئة إقليمية مضطربة.
سادساً: الزبيدي.. القيادة في حقل الألغام
لقد أثبت القائد عيدروس الزبيدي قدرة فائقة على إدارة "اللعبة المعقدة". لم يصطدم بالرياض علناً، ولم يمنح الشرعية لمسار يسلب الجنوب قراره. حافظ على صورة "الرجل العقلاني" أمام المجتمع الدولي، بينما ظل في الداخل "الضامن السيادي". لقد نقل الزبيدي المعركة من مستوى "الصدام المباشر" إلى مستوى "التفاوض الستراتيجي" على هوية الدولة، لا على حصص السلطة.
في المحصلة، يخرج الجنوب من كل منعطف بمنطق جديد. لم يراهن الجنوبيون على الرياض رهان "التابع"، ولم يعادوها عداء "المندفع". لم يقدسوا الحوار، ولم يغلقوا أبوابه.
لقد راهنوا على ثابت واحد: التفويض الشعبي. وفي عالم السياسة، أخطر لاعب هو ذاك الذي يمتلك القوة العسكرية، ويوظف المناورة الدبلوماسية، لكنه يرفض أن يقع أسيراً لأي منهما، طالما أن ظهره مسنود بإرادة شعب لا يقبل بأقل من استعادة سيادته كاملة.