حين يُشخِّص الجرّاح أوجاع الوطن… قراءة في وعي القلم الجنوبي للدكتور طارق مزيدة
الإثنين - 09 فبراير 2026 - 11:30 م
صوت العاصمة/ بقلم: م/ عبدالله احمد مشرح
إشادة بطرح وطني مسؤول يضع المجلس الانتقالي أمام لحظة مراجعة وصناعة فعل
في المنعطفات التاريخية الحاسمة، تبرز قيمة النخب الوطنية الحقيقية لا من خلال حدة الخطاب أو كثافة الشعارات، بل عبر قدرتها على ممارسة النقد البنّاء من داخل المشروع الوطني ذاته، وبشجاعة فكرية تضع المصلحة العامة فوق أي اعتبارات ظرفية. وفي هذا الإطار، يندرج الطرح الذي قدّمه الدكتور طارق مزيدة ضمن خطاب سياسي ناضج ومسؤول، يقدّم قراءة تحليلية معمقة لمسار المجلس الانتقالي الجنوبي، بوصفه الحامل السياسي للقضية الجنوبية في مرحلة دقيقة تتطلب أعلى درجات الوعي المؤسسي.
إن منشور الدكتور طارق لا يمكن قراءته بوصفه موقفًا عابرًا أو طرحًا انطباعيًا، بل باعتباره تشخيصًا وطنيًا مدروسًا، يستند إلى فهم عميق لطبيعة التحولات السياسية، وإدراك واعٍ لمتطلبات الانتقال من مرحلة التأسيس الثوري والسياسي إلى مرحلة البناء المؤسسي المستدام. وهو طرح ينطلق من الحرص على المشروع الوطني الجنوبي، لا من منطلق التشكيك أو المزايدة، ويعكس مستوى متقدمًا من المسؤولية الفكرية.
وتكمن أهمية هذا الطرح في ربطه الواضح بين التفويض الشعبي الذي منحه أبناء الجنوب للرئيس عيدروس بن قاسم الزبيدي، وبين ضرورة تحويل هذه الشرعية السياسية إلى منظومة مؤسسية فاعلة، قائمة على هياكل تنظيمية واضحة، وتوصيف دقيق للصلاحيات، وآليات رقابة ومساءلة تضمن كفاءة الأداء واستدامته. فالمشاريع الوطنية لا تُصان بالشرعية الثورية وحدها، بل بقدرتها على إنتاج نموذج مؤسسي قادر على إدارة التحديات بعقل استراتيجي.
وقد تميز الطرح بجرأته في تشخيص عدد من الإشكاليات البنيوية، وفي مقدمتها تداخل الصلاحيات، وتضخم الهياكل التنظيمية مقابل ضعف المخرجات، وغياب منظومات التقييم المؤسسي. وهي اختلالات لا يمكن التعامل معها بوصفها تفاصيل إدارية ثانوية، بل مؤشرات حقيقية على نمط إدارة يحتاج إلى مراجعة جادة، تضع حدًا لشخصنة القرار، وتعزز العمل المؤسسي المنظم.
كما يُحسب للدكتور طارق مزيدة تسليطه الضوء على القصور الإعلامي، بوصفه أحد أبرز مواطن الضعف في المرحلة السابقة. فإدارة الصراع السياسي في السياق المعاصر باتت تقوم على معركة السرديات وبناء الرأي العام بقدر ما تقوم على الفعل السياسي المباشر. وغياب استراتيجية إعلامية مكتوبة، ومؤسسات إعلامية محترفة، ترك فراغًا استغلته القوى المناوئة، وأثر سلبًا على صورة المجلس لدى الرأي العام، رغم ما تحقق من حضور سياسي ملموس.
ويمضي الطرح إلى مستوى أكثر عمقًا حين يتناول غياب مراكز متخصصة لصناعة القرار وإدارة الأزمات، وهو ما جعل التعامل مع كثير من الاستحقاقات يتم تحت ضغط اللحظة، لا ضمن رؤية استباقية تستند إلى التحليل وبناء السيناريوهات. ومن هنا تتجلى الفكرة الجوهرية التي يؤكدها الدكتور طارق، والمتمثلة في ضرورة الانتقال من منطق ردّة الفعل إلى منطق صناعة الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى منعها.
وتبلغ هذه القراءة ذروتها عند تناوله للمؤتمر الأول للمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يجب – وفق هذا الطرح – أن يُنظر إليه بوصفه محطة إصلاح مؤسسي شاملة، لا مناسبة بروتوكولية أو احتفالية شكلية. فالمؤتمر يشكّل فرصة تاريخية لإعادة تقييم الأداء، ومراجعة اللوائح التنظيمية، وإقرار آليات واضحة لصنع القرار، واعتماد برنامج سياسي واقتصادي وإداري يستجيب لتحديات المرحلة المقبلة.
إن ما قدّمه الدكتور طارق مزيدة يعكس نموذجًا للنخبة الجنوبية الواعية، التي تدرك أن المشاريع الوطنية الكبرى لا تتعثر فقط بفعل الضغوط الخارجية، بل قد تفقد زخمها حين تعجز عن تطوير ذاتها من الداخل. لقد كتب بوعي الجراح الذي لا يتردد في كشف موضع الخلل، وبمسؤولية الوطني الذي يضع مصلحة قضيته فوق أي اعتبار.
وإذا كان المجلس الانتقالي الجنوبي يقف اليوم أمام اختبار تاريخي حاسم، فإن مثل هذه الأطروحات الرصينة تمثل رافعة فكرية ضرورية، تؤكد أن بناء الدولة يبدأ من بناء المؤسسة، وأن نجاح المشروع الوطني الجنوبي مرهون بقدرته على الانتقال من إدارة اللحظة إلى صناعة المستقبل.