العودة إلى الذات لا إلى الصفر: ملحمة الوعي في معركة المصير
الإثنين - 16 فبراير 2026 - 12:59 ص
صوت العاصمة/ كتب / حافظ الشجيفي
منذ ان القت رياح الازمة بظلالها الكثيفة فوق ربوع الجنوب العربي، والمراقب للمشهد يدرك ان هناك هوة سحيقة تفصل بين حسابات الحقل في غرف التآمر الاقليمية والدولية، وبين حصاد البيدر في الميادين المشتعلة بالارادة، اذ خيل لدوائر التآمر اليمنية وحلفائها الاقليميين والدوليين ان استراتيجية الانهاك المنظم، التي اعتمدت على سلاح التجويع وتعطيل الخدمات وضرب العملة وايقاف الرواتب، قد بلغت مداها المرسوم في كسر شوكة هذا الشعب، وظن هؤلاء الواهمون ان وجع الحاجة ومرارة الغلاء الفاحش سيجبران المواطن الجنوبي على مقايضة هويته الوطنية بكسرة خبز، او مبادلة احلام الاستقلال بانتظام التيار الكهربائي، معتقدين في قرارة انفسهم ان سنوات الصبر الطويلة تحت وطأة الحصار الاقتصادي المفتعل قد اتت اكلها، وان المواطن في عدن والمكلا والضالع قد استسلم لليأس وعاد القهقرى الى نقطة الصفر، حيث تنحصر تطلعاته في حدود المعيشة اليومية وتتلاشى اهدافه الكبرى في زحام البحث عن لقمة عيش كريمة.
ولكن الحقيقة التي تكشفت في ديسمبر الماضي كانت صفعة مدوية على وجوه اولئك الذين ظنوا ان الذاكرة الوطنية للشعوب يمكن مسحها بقرار اداري او بخناق اقتصادي، فعندما اطلق رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي دعوته للاعتصام المفتوح، لم تخرج الجماهير لتشكو شح الماء او انقطاع الكهرباء، ولم تكن صرخاتها استجداء لرواتب متأخرة صادرها المخرجون الفاشلون لهذا السيناريو البائس، بل تدفقت السيول البشرية لتؤكد ان القضية الجنوبية لا تخضع لقوانين السوق وشروط العرض والطلب او مساومات الارقام، فكان الخروج المليوني تعبيرا عن ارادة صلبة ترفض التفتيت، وتعلن بملء الفم ان الاستقلال ليس خيارا سياسيا فحسب، بل هو قدر وجودي لا رجعة عنه، ليدرك المتآمرون انهم هم، وليس الشعب الجنوبي، من عادوا الى المربع الاول، محملين بخيباتهم الثقيلة بعد عقد كامل من محاولات الترويض الفاشلة التي لم تزد الجنوبيين الا اصرارا وعنادا.
ويخطئ من يظن ان العودة الى التظاهر السلمي اليوم هي نكوص الى بدايات الحراك في عام الفين وسبعة، فالمقارنة هنا تفتقر الى العمق التاريخي والادراك السياسي، لان الشعب الذي انتصر في الميادين العسكرية وواجه اعتى ترسانات السلاح، بات اليوم يمتلك وعيا مؤسسيا وتنظيميا يجعل من تظاهراته السلمية اداة ضغط استراتيجية وليست مجرد صرخة في واد، ومن هنا يتضح ان المحتلين والمتآمرين هم الذين تقزموا امام ثبات الجنوب، وهم الذين فقدوا كل اوراقهم بعد ان استنفدوا جعبة المكايدات والازمات دون جدوى، فبينما كان الرهان على اصابة الشعب الجنوبي بالاحباط، كانت النتيجة ولادة جيل اكثر تمسكا بحقه، ومستعد للصمود لالف عام اخرى دون ان يرمش له جفن او يلين له جانب، في ملحمة وطنية تؤكد ان ارادة الشعوب ابقى من حيل الساسة، وان الحق الوطني لا يسقط بالتقادم ولا ينحني امام رياح الازمات المفتعلة، بل يزداد رسوخا كلما اشتد عليه الحصار.
والمشهد الراهن، بكل ما فيه من تعقيدات، يضع القوى الاقليمية والداخلية امام حقيقة موضوعية دامغة، وهي ان الجنوب لم يعد مجرد جغرافيا يمكن تقاسمها او ورقة تفاوضية في ملفات الصراع الكبرى، بل صار رقما صعبا يمتلك قراره بيده، وما تلك الازمات التي كان يكتوي بنارها المواطن الا شهادة استحقاق على صلابة موقفه، اذ لم يلجأ الخصوم الى حرب الخدمات الا بعد ان عجزوا عن مواجهته في ميادين الشرف، وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى، فالمتآمر الذي اراد اعادة الشعب الى نقطة الصفر وجد نفسه غارقا في رمال الفشل، بينما انطلق الشعب الجنوبي من تلك النقطة نحو افاق اوسع من التلاحم والاصرار، محولا المعاناة الى وقود للثورة، والالم الى جسر للحرية، في مشهد سريالي يثبت ان الرهان على انكسار الجنوب هو رهان على السراب، وان الغد الذي ينشده هذا الشعب قادم لا محالة، ليس بمنة من احد، بل بانتزاع الحق من بين فكي المستحيل