هل تريد المملكة العربية السعودية خيرًا للجنوب؟
الإثنين - 16 فبراير 2026 - 01:22 ص
صوت العاصمة/ كتب/ علي محمد سيقلي
“قراءة صريحة بلا مساحيق”
ليس سؤالًا بريئًا ولا عابرًا، بل سؤالًا مؤجلًا منذ سنوات، وكلما تأخر طرحه ازداد ثقل كلفته على الجنوب وأهله:
هل تريد المملكة العربية السعودية خيرًا حقيقيًا للجنوب، أم خيرًا مُعرّفًا وفق مقاييس أمنها ومصالحها وحدها؟
أولًا: بين الادعاء والممارسة
تقول السعودية إنها حريصة على استقرار الجنوب، لكن الوقائع على الأرض تُظهر مسارًا مختلفًا.
ما جرى ويجري بحق القوات الجنوبية في حضرموت لا يمكن تبريره بخطاب “الأمن القومي”. فالأمن القومي، وفق الأعراف السياسية، يُبنى بالشراكات، لا بإضعاف الحلفاء، ولا باستهداف القوى المحلية التي تمثل الحاضنة الشعبية في مناطقها.
حين يُجرَّد الجنوب من أدوات قوته الذاتية، ويُعاد تشكيل المشهد العسكري بما يخدم توازنات خارجية، فإن السؤال المشروع يصبح: أمن من بالضبط يتم حمايته؟
ثانيًا: الجنوب ليس خاصرة رخوة
التعامل مع الجنوب بوصفه ساحة اختبار، أو منطقة قابلة لإعادة الضبط عند الحاجة، يعكس ذهنية وصاية لم تعد مقبولة.
الجنوب ليس عبئًا أمنيًا على السعودية، بل كان – ولا يزال – عمقًا استراتيجيًا لو أُدير بعقل الشراكة لا بعقل الهيمنة.
ما حدث في حضرموت لم يكن رسالة أمن، بل رسالة سياسية:
“القوة التي لا تمر عبر بوابة الرضا السعودي، مصيرها الإقصاء”.
وهنا تكمن المعضلة.
ثالثًا: الحوار الجنوبي/الجنوبي… نوايا أم أدوات؟
تُسوِّق الرياض للحوار الجنوبي/الجنوبي باعتباره بوابة الحل، لكن الإشكالية ليست في الحوار، بل في من يديره، ولماذا، وبأي سقف.
إذا كان الهدف فعلًا هو استعادة دولة الجنوب، فلماذا:
يتم تشجيع تمييع المكونات؟
يُفتح الباب لاستنساخ كيانات بلا وزن شعبي؟
تُمنح المنصات لمن يلبون متطلبات الوصاية لا متطلبات القضية؟
الحوار الذي يُدار بعقل التفكيك لا يمكن أن يُنتج وحدة موقف، بل يُنتج مشهدًا هشًا، يُستخدم لاحقًا كذريعة جاهزة:
“الجنوبيون لم يتفقوا”.
رابعًا: سياسة الاستهلاك ثم التخلي
التجربة مع السعودية – ومع غيرها – علمتنا أن منطق “الاستخدام المرحلي” حاضر بقوة:
تُستخدم القوى.
تُستنزف.
ثم يُتخلّى عنها عند أول منعطف.
هذا ليس تحليلًا عاطفيًا، بل قراءة لمسار طويل من السلوك السياسي الذي لا يرى في الحلفاء سوى أدوات مؤقتة.
خامسًا: ماذا يريد الجنوب؟
الجنوب لا يطلب صدقات سياسية، ولا حماية مشروطة، ولا حوارًا مُعلّبًا.
ما يريده الجنوب باختصار:
شراكة ندّية.
احترام الإرادة الشعبية.
وقف العبث بتوازناته الداخلية.
الاعتراف بحقه في تقرير مستقبله دون وصاية.
الخلاصة: النقاط على الحروف
السعودية لا تتعامل مع الجنوب بوصفه شريكًا كامل السيادة، بل ملفًا أمنيًا قابلًا للإدارة.
ما جرى في حضرموت لا يخدم أمن الجنوب، ولا يعزز الاستقرار.
الحوار الجنوبي/الجنوبي، بصيغته الحالية، أقرب لأداة ضبط لا لمسار تحرر.
استعادة دولة الجنوب لا يمكن أن تكون منحة من الخارج، بل قرارًا جنوبيًا خالصًا.
والسؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح بلا خوف:
هل تريد السعودية جنوبًا قويًا بقراره، أم جنوبًا مُدارًا بحبال الوصاية؟
الفرق بين السؤالين، هو الفرق بين دولة تُولد، وقضية تُستنزف