الشارع يصنع القرار: لأكثر من شهر مليونيات الجنوب تكسر محاولات الإقصاء
الثلاثاء - 17 فبراير 2026 - 12:38 ص
صوت العاصمة/ تقرير / الصوت الجنوبي
في الـ 2 من يناير 2026م شكّل القصف الذي استهدف القوات المسلحة الجنوبية من قبل الطيران السعودي نقطة تحوّل مفصلية في المشهد السياسي والعسكري في الجنوب، تلاه انسحاب القوات من حضرموت والمهرة، وما رافق ذلك من متغيرات سياسية ومحاولات لإغلاق مقرات المجلس الانتقالي الجنوبي. بدا المشهد في لحظته الأولى وكأنه يتجه نحو إعادة صياغة قسرية للواقع السياسي، إلا أن التطورات اللاحقة حملت مسارًا معاكسًا تمامًا.
ففي 10 يناير 2026م خرجت العاصمة عدن ومدينة المكلا في مليونية “الوفاء والصمود”، مؤكدة أن الشارع الجنوبي حاضر بقوة في معادلة القرار. وفي 11 يناير جدّد أبناء سقطرى التفويض الشعبي للرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، في رسالة واضحة بأن الضغوط العسكرية والسياسية لم تُضعف الحاضنة الشعبية.
توالت الفعاليات بوتيرة متسارعة؛ ففي 15 يناير شهدت المكلا مسيرات دعم للإعلان الدستوري الصادر في 2 يناير 2026م، ثم احتشدت عدن في 16 يناير تأييدًا للإعلان ذاته، وصولًا إلى مليونيات “الثبات والتصعيد الشعبي” في 23 يناير، ثم فعاليات مطلع فبراير في عدن والمكلا، ومليونية ردفان في 5 فبراير، ومسيرة سيئون في 6 فبراير 2026م. هذا التسلسل الزمني يكشف عن مسار تصاعدي أعاد ترتيب موازين القوى.
القصف السعودي وبداية التحول السياسي
شكّل 2 يناير 2026م لحظة فارقة في المشهد الجنوبي، ليس فقط بسبب القصف الجوي، بل لما تبعه من انسحابات وإجراءات سياسية حاولت إعادة ضبط التوازنات على الأرض. كان الحدث بمثابة اختبار حقيقي لصلابة المشروع السياسي الجنوبي.
الانسحاب من بعض المناطق في حضرموت والمهرة خلق فراغًا سياسيًا حاولت أطراف متعددة ملأه عبر تحركات إدارية وأمنية، بينها محاولات إغلاق مقرات المجلس الانتقالي، في مؤشر على سعي لإضعاف حضوره المؤسسي.
غير أن ردة الفعل الشعبية جاءت مغايرة للتوقعات؛ إذ تحوّل الحدث من ضغط ميداني إلى حافز تعبئة جماهيرية. وبدأت الدعوات للاحتشاد باعتبار أن الدفاع عن المؤسسات السياسية جزء من الدفاع عن القضية.
وهكذا أصبح تاريخ 2 يناير نقطة انطلاق لسلسلة فعاليات أعادت صياغة المشهد، وأثبتت أن المعادلة السياسية في الجنوب لا تُحسم بالقرارات الفوقية بل بالشرعية الشعبية.
مليونيات يناير وتكريس التفويض الشعبي
في 10 يناير 2026م أكدت مليونية عدن والمكلا أن الشارع الجنوبي ما زال متماسكًا خلف خياراته السياسية، رافضًا أي مساس بتمثيله. حملت الحشود رسائل واضحة بأن الإرادة الشعبية هي مصدر الشرعية.
وفي 11 يناير جاءت فعالية سقطرى لتوسّع نطاق الحراك جغرافيًا، وتؤكد أن التفويض الشعبي للرئيس الزُبيدي والمجلس الانتقالي يتجاوز المدن الكبرى إلى مختلف المحافظات.
أما في 15 يناير فقد عبّرت مسيرات المكلا عن دعم صريح للإعلان الدستوري الصادر في 2 يناير 2026م، باعتباره مرجعية سياسية للمرحلة المقبلة، قبل أن تشهد عدن في 16 يناير مليونية تأييد واسعة للإعلان.
هذا التتابع خلال أسبوع واحد فقط حوّل الحراك من رد فعل على القصف إلى مشروع سياسي منظم يستند إلى مرجعية دستورية وتفويض شعبي متجدد.
الثبات والتصعيد ورسائل الداخل والخارج
في 23 يناير 2026م شهدت عدن والمكلا والغيضة فعاليات “الثبات والتصعيد الشعبي”، التي صدرت عنها بيانات ختامية أكدت التمسك باستعادة الدولة ورفض الحلول المنقوصة.
بيان عدن شدد على رفض الوصاية والتدخلات، وأكد أن المجلس الانتقالي هو الحامل السياسي للقضية الجنوبية. كما دعا إلى احترام الإرادة الشعبية ورفض أي مخرجات لا تعكسها.
وفي الغيضة، تم التأكيد على أن الحضور الشعبي في الميدان هو المعيار الحقيقي للشرعية، وأن الحملات الإعلامية لا يمكن أن تحجب واقع التفويض الشعبي.
أما بيان المكلا فجاء متسقًا مع ذات الرسائل، مع إضافة مطالب خدمية ومعيشية، ما ربط بين المسار السياسي والاستقرار المجتمعي.
فبراير وتصاعد الدفاع عن المؤسسات
في 1 فبراير 2026م شهدت عدن مسيرة جماهيرية ووقفة احتجاجية أمام مقر الجمعية العمومية للمجلس الانتقالي، انطلقت من جولة السفينة باتجاه البنجسار، رفضًا لأي مساس بالمؤسسات السياسية الجنوبية.
وفي اليوم ذاته خرجت المكلا بمسيرة بالدراجات النارية والسيارات من ساحة “القرار قرارنا”، جابت شوارع المدينة تأكيدًا على حماية مقرات المجلس ورفض إغلاقها.
في 5 فبراير 2026م احتشدت ردفان في “مليونية الصمود والتصدي”، مجددة التفويض الشعبي، ومؤكدة التمسك بالإعلان الدستوري ورفض أي إعلان بحل المجلس خارج أطره الرسمية.
وفي 6 فبراير 2026م شهدت سيئون مسيرة “الثبات والصمود”، أكدت أن حضرموت جزء أصيل من الهوية الجنوبية، وجددت التفويض الشعبي في رسالة سياسية واضحة.
المليونيات وتغيير موازين القوى
أكد المحلل السياسي الدكتور صالح العولقي، في تصريح خاص لـ“الصوت الجنوبي”: أن المليونيات نقلت القضية الجنوبية من مربع الدفاع إلى مربع الفعل السياسي المنظم، ورسخت موقع المجلس الانتقالي الجنوبي كرقم صعب في أي معادلة سياسية قادمة.
فيما أشار الأستاذ ناصر باعباد، في تصريح خاص لـ“الصوت الجنوبي”: أن اتساع رقعة الفعاليات من عدن إلى حضرموت والمهرة وسقطرى وردفان وأبين وشبوة والضالع منح القيادة الجنوبية ورقة تفاوضية أقوى إقليميًا ودوليًا.
من جانبه، أوضح الصحفي محمد النهدي، في تصريح خاص لـ“الصوت الجنوبي”: أن الطابع السلمي المتواصل للحراك، منذ أحداث يناير الماضي، قدّم نموذجًا سياسيًا منظمًا يستند إلى قاعدة شعبية واسعة.
هذه القراءات تشير إلى أن المليونيات لم تكن مجرد احتجاجات آنية، بل تحوّلت إلى أداة لإعادة ضبط موازين القوى المحلية، وإيصال رسائل واضحة للإقليم والمجتمع الدولي.
من 2 يناير إلى 16 فبراير 2026م تشكّل مسار تصاعدي أعاد تثبيت التفويض الشعبي للمجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي. تحوّل القصف والانسحاب إلى حافز تعبئة، وتحولت الضغوط السياسية إلى موجة حراك جماهيري واسع.
أثبتت الوقائع المتتابعة أن الشارع الجنوبي ما زال عنصرًا فاعلًا في المعادلة السياسية، وأن أي تسوية لا تراعي هذا الثقل الشعبي ستظل منقوصة. ومع استمرار الحراك السلمي المنظم، يبدو أن المشهد الجنوبي دخل مرحلة جديدة عنوانها: الشرعية الشعبية أولًا، والسياسة تُصاغ من الميدان.