تقارير



الجنوب لا يُشترى… والكرامة ليست بندًا في ميزانية أحد

الأربعاء - 18 فبراير 2026 - 12:55 ص

الجنوب لا يُشترى… والكرامة ليست بندًا في ميزانية أحد

صوت العاصمة/ عين الجنوب


في كل مرة يقترب فيها موعد مليونية جنوبية، يتكرر المشهد ذاته وكأن هناك من يراهن على ذاكرة قصيرة أو وعي قابل للمساومة. تُعلن “مكرمات”، تُصرف رواتب متأخرة، تُوزع سلال غذائية ومواد استهلاكية، وتُطلق وعود بخدمات طال انتظارها. فجأة، تتحرك الملفات الراكدة، وتُفتح الخزائن المغلقة، ويُراد للمشهد أن يبدو وكأنه التفاتة كريمة أو استجابة إنسانية. غير أن الشارع الجنوبي بات يقرأ التفاصيل جيدًا، ويفكك التوقيت بدقة، ويدرك أن ما يُقدَّم ليس دعمًا بريئًا بقدر ما هو محاولة لإعادة تشكيل الموقف السياسي تحت ضغط الحاجة.
القضية بالنسبة للجنوبيين لم تعد مطلبًا خدماتيًا عابرًا، بل تحولت إلى وعي جمعي متراكم تشكل عبر سنوات من المواجهات السياسية والعسكرية. لذلك، حين تتزامن “الإكراميات” مع محطات مفصلية، وحين تتحرك عجلة الرواتب قبيل الفعاليات الكبرى، فإن الرسالة التي تصل إلى الشارع ليست رسالة تضامن، بل إشارة إلى محاولة تطويع الإرادة عبر بوابة الاقتصاد. وهنا تحديدًا تتجلى المفارقة؛ فالراتب حق طبيعي للمواطن، والخدمة واجب على أي سلطة، لكن تحويل الحقوق إلى أدوات ضغط سياسي يبدد أثرها المعنوي ويجعلها موضع شك.
في حضرموت، حين أثير ملف الثروات والنفط، لم يكن النقاش تقنيًا حول أرقام وإيرادات فحسب، بل كان نقاشًا حول السيادة والشفافية والعدالة في توزيع الموارد. ومع تصاعد الأصوات المطالِبة بالمحاسبة، دخلت الأزمة منعطفًا حادًا، وتحوّل الجدل السياسي إلى توتر ميداني. تلك اللحظة رسخت قناعة لدى كثيرين بأن الصراع يتجاوز حدود الخدمات إلى جوهر القرار ومن يملكه. ومنذ ذلك الحين، أصبح أي تحرك مالي أو إداري يُقرأ في سياق أوسع يتصل بمستقبل القضية الجنوبية لا بظرف معيشي آني فقط.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز اسم المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه الفاعل السياسي الأبرز في تمثيل هذا المزاج الشعبي، خصوصًا مع تصاعد الفعاليات الجماهيرية التي تُمنح فيها القيادة السياسية تفويضًا متجددًا. كما يتصدر المشهد السياسي اسم عيدروس الزبيدي باعتباره الشخصية الأكثر حضورًا في خطاب الشارع الجنوبي خلال السنوات الأخيرة. هذا الحضور لا يأتي من فراغ، بل من تفاعل مستمر بين القيادة والقاعدة، ومن شعور عام بأن القرار الجنوبي يجب أن يصاغ داخل ساحاته لا في الغرف المغلقة.
أما السعودية، الحاضرة بثقلها السياسي والإقليمي في المشهد، فتجد نفسها في قلب هذا الجدل. فكل خطوة أو مبادرة أو دعوة إلى حوار تُقرأ في الجنوب من زاويتين: زاوية ما تعلنه رسميًا من دعم للاستقرار، وزاوية ما يعتقده الشارع من سعي لاحتواء المسار الجنوبي ضمن ترتيبات إقليمية أوسع. وبين القراءتين تتسع فجوة الثقة، ويزداد السؤال إلحاحًا: هل المطلوب شراكة حقيقية أم إعادة هندسة للمشهد بما يتناسب مع أولويات خارجية؟
المليونيات التي تشهدها مدن الجنوب لم تعد مجرد تظاهرات عاطفية، بل تحولت إلى استفتاءات شعبية مفتوحة، تؤكد أن الهوية السياسية للشارع باتت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. اللافت أن هذه الحشود، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، لم تتراجع تحت ضغط الحاجة، بل بدت أكثر تمسكًا بخيارها السياسي، وكأنها تقول إن الضائقة المعيشية لا تلغي الطموح الوطني، بل قد تعمقه.
الخطاب الشعبي السائد اليوم يميز بوضوح بين “الحق” و”المنّة”. الراتب حق لا يرتبط بموقف سياسي، والخدمة واجب لا يُقايض بالولاء. أما القرار، فهو مسألة سيادة لا تُختزل في شيك أو منحة أو مشروع مؤقت. من هنا تتشكل معادلة جديدة في الوعي الجنوبي: يمكن قبول الدعم إذا كان في إطار شراكة شفافة، لكن لا يمكن القبول بتحويله إلى أداة لإعادة تشكيل الإرادة.
وفي المحصلة، يبدو أن الرهان على إنهاك الشارع أو شرائه لم يعد واقعيًا. فالتجربة الطويلة صنعت وعيًا متراكمًا يصعب اختراقه بالمساعدات الموسمية. الجنوب، كما يراه أبناؤه اليوم، ليس مساحة فراغ سياسي يمكن ملؤها بالمغريات، بل مشروع قضية يعتبرها كثيرون مسألة كرامة وهوية ومستقبل. وبين المال والقرار، اختار الشارع أن يفصل بينهما: المال وسيلة عيش، أما القرار فمسألة وطن.



الأكثر زيارة


القضية الجنوبية وأخطاء السياسة: هل تعيد السعودية إنتاج سياسا.

الأربعاء/21/أكتوبر/2026 - 03:40 م

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي دولة أو قوة سياسية هو أن تتعامل مع الواقع وفق ما تريد أن يكون، لا وفق ما هو عليه فعلًا. فالقضايا الوطنية لا تُحل بفرض ال


التعزية التي حولت الصدمة إلى عقيدة وصمود ..

الأربعاء/21/أكتوبر/2026 - 11:17 م

أ- المقدمة : حين يصدر الخطاب السياسي في لحظات الانكسار الدموي ، فإنه يتجاوز آليات العزاء البروتوكولي ليتحول إلى وثيقة تأسيسية لإدارة الوعي والردع وهذا


البيض: الوحدة غير قابلة للاستمرار وفجر اليمن انـ.ـتحار سياسي.

الأربعاء/21/أكتوبر/2026 - 11:06 م

أكد الممثل الخاص لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي للشؤون الخارجية عمرو البيض، إن الوحدة اليمنية لم تعد قابلة للاستمرار، موضحا أن عملية "فجر اليمن


مطالبات شعبية في خنفر بمنع حمل السـ.ـلاح ليلاً لسائقي الدراج.

الأربعاء/21/أكتوبر/2026 - 11:31 م

تصاعدت المطالبات الشعبية في مديرية خنفر بمحافظة أبين، بضرورة تعزيز الإجراءات الأمنية واتخاذ تدابير حازمة للحد من المظاهر التي تهدد الأمن والاستقرار، و