القمع لغة واضحة... لمن يظن أن الجنوب ذا السقف المرتفع يأتي من الجهة التي أمرت به
الثلاثاء - 24 فبراير 2026 - 01:15 ص
صوت العاصمة/ بقلم: د. أمين العلياني
في زمن تكشفت فيه الأوراق، وسقطت الأقنعة عن وجوه لم تتعود النطق بالحق، جاءت الأيام القليلة الماضية لترسم لوحة صارخة تكاد تنطق بما عجزت عنه بيانات الدبلوماسية ووعود المنابر. وبهذا لم تكن الأحداث الأخيرة في عدن مجرد حلقة جديدة من حلقات التوتر السياسي المعتاد، بل كانت أشبه بلحظة كشف وجودي، أزاحت الستار عن حجم المأساة التي يعيشها من راهنوا على غير وعد، وعلقوا آمالهم على سراب لا يروي ظمأ.
لقد تجلى العجز الذي تمارسه الرياض في أبهى صوره، ليس من خلال القوة، بل من خلال الضغط الخشن الذي مارسته على قيادات جنوبية ظنت أن طريق الخلاص يمر حتما من بوابتها، حتى بات بعض القيادات مقتنعة، ونزر من الإعلاميين الواقعين تحت تأثير اللجنة الخاصة، أن حل قضية شعب الجنوب لا يمكن أن يأتي إلا عبر المملكة، حيث قيل لهم: "قضيتكم ذات سقف عالٍ، ولا جنوب إلا عبر بوابتنا". وإذا بالحقيقة التي اعتقدوا تزيح عنها اليقين ويتكشف أن ذلك السقف المرتفع لم يكن سوى سراب في فلاة، أو خداع بصري مارسه من لا يؤمنون بحقوق الشعوب بقدر ما يؤمنون في توظيفها لمصالحهم الضيقة لصالح حسابات التأثير وإدارة الملفات على ساحة المنافسات في المنطقة بأكملها.
فهل تحول ذلك السقف العالي لقضية عادلة لشعب جنوبي عربي -وهي ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية والتاريخية الممتدة في عمق الزمن- إلى مجرد سقف من حديد يغلق به على مقرات المجلس الانتقالي؟ هل تمحورت عظمة قضية شعب الجنوب التاريخية في إطلاق الرصاص الحي على صدور المتظاهرين العزل، وقتلهم وجرحهم بتلك الطرق الوحشية التي لا تمت للإنسانية بصلة؟ هل صار السقف المرتفع لقضية شعب الجنوب العادلة هو سقف الزنازين التي يزج فيها بالنشطاء الإعلاميين والثوريين في شهر حرمت فيه سفك الدماء، وجعلته الأديان والقيم الإنسانية شهر أمان ورحمة؟ .
إن القمع اليوم يتحدث بلغة لا تحتمل التأويل، ويكشف عن وجهه العاري لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد؛ فاللجوء إلى إغلاق المقرات، واعتقال النشطاء، وقتل المتظاهرين السلميين، ليس إلا دليلًا قاطعًا على أن من يدعون رعاية قضية شعب الجنوب لا يملكون حلًا سياسيًّا حقيقيًّا، ولا يؤمنون بحق الشعوب في تقرير مصيرها. ومن هنا تتكشف لغة الضعف التي تتخفى في ثياب القوة، ولغة العجز التي تلبس قناع الهيمنة.
ومع ذلك، يبقى شعب الجنوب على موقفه الثابت، صامدًا في وجه العواصف، مصّرًا على أن الحقوق لا توهب على موائد الرؤساء، ولا تمنح كهدايا في صفقات النفوذ ولا تمثيليات التخوين الجاهز بالتصنيفات على رموز وطنية فوضها الشعب وتحاول اليوم شيطنتها ومحاولة تتبعها؛ بهدف قتلها. والمتابع لهذه الحقيقة الأليمة يدرك بعمق أن الحلول الحقيقية تنتزع انتزاعًا بدماء الشهداء وصبر الأحياء، وأن من يظن أن الحقوق المصيرية يمكن أن تقررها الدول على غير رغبة الشعوب، فليسأل التاريخ وسيجيبه بلسان لا يعرف المجاملة.
التاريخ الذي لا يجامل ولا يداهن، يحمل في صفحاته آلاف الأمثلة على شعوب آمنت بقضيتها فانتصرت، وأخرى راهنت على غيرها فاندثرت؛ لأن الشعوب حين تقرر، لا يقف أمامها قرار. وإذا كان البعض يظن أن القمع يمكن أن يطفئ شعلة حلم جنوبي مستقل، فليذكر أن الرصاص لم يصنع في التاريخ وطنًا، وأن السجون لم تبن فيها أوطان.
فليسأل التاريخ أولئك الذين يظنون أن الجنوب يأتي من الجهة أمرت بالقمع ذاته، وليجبهم بأن إرادة الشعوب أقوى من كل السقوف المصطنعة، وأن الدم الذي يروي تراب عدن اليوم سيكون نبت الغد الحر الذي لا يعرف وصاية ولا هيمنة.