من حصار الرغيف إلى ضرب السيف: تحولات الكيد السياسي ضد الجنوب.
الخميس - 26 فبراير 2026 - 12:56 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي
ما أشبه ظلام السياسة المدلهم بصنوف من المكائد التي تحاك بليل لسرقة ضوء الفجر من عيون شعب لا يزال يقاتل بوجدانيته قبل سلاحه، فمنذ عقد من الزمان واليراع يخط في جبين الحقيقة كلمات صلبة كأنها قطع من صخور الجبال، كنت فيها أصدع بالحق المر وأبني من يقيني سورا ضد تضليل المضللين، جازما ومؤكدا في كل مقال سطره قلمي أو منشور جاد به فكري أو تصريح إعلامي عبرت به عن مكنون الضمير، بأن هذه الأزمات التي تطحن العباد طحنا في الجنوب من انقطاع كهرباء يشوي جلودهم، وشح مياه يجفف حلوقهم، وتدهور في الصحة والتعليم والرواتب وغلاء فاحش ينهب ما بقي من رمق الحياة، وانهيار لعملة غدت كأنها هباء منثورا، ما هي إلا صناعة بشرية لئيمة، وأزمات مفتعلة رسمت تفاصيلها بريشة التآمر السياسي ودرست بعناية فائقة في مختبرات الكيد والدسيسة لتمارس ضد هذا الشعب الجنوبي الصابر ، ولم أكن حينها أنطق عن هوى أو رجما بالغيب، بل كنت أقرأ ما وراء الأكمة مما تخفيه الصدور والمؤامرات، ورغم سياط النقد والهجوم العنيف الذي انصب علي كالمطر من صحفيين وناشطين، كثير منهم باع ضميره في سوق النخاسة السياسية لتضليل الناس وآخرون غلبت عليهم سذاجة التحليل، إلا أنني لم أتزحزح قيد أنملة عن عقيدتي هذه، فكان كل حرف أكتبه شاهدا على أن الخدمات لا تعاني من عجز تقني أو فني حقيقي، وأن الوقود متوفر والحلول حاضرة، لكنها كانت محبوسة بأقفال السياسة لتحقيق مآرب دنيئة.
ومضت السنوات والواقع يؤكد ما ذهبت إليه، فما إن تبدلت المستجدات السياسية والعسكرية مؤخرا، حتى رأينا العجب العجاب، فإذا بالخدمات التي استعصت عقدا كاملا تعود للعمل بيسر وسلاسة، وتتلاشى تلك الأزمات تلقائيا وبشكل مباغت يكشف عورة من كانوا يديرون المشهد، مما يقطع الشك باليقين ويثبت صحة قراءتي التي طالما رددتها في مقالاتي وتعليقاتي، بأن الهدف السياسي الخفي من وراء هذا التجويع المنظم لم يكن إلا لتركيع هذا الشعب العظيم، وإرغامه تحت وطأة الحاجة والفاقة على القبول بالفيدرالية مع الشمال، بدلا من التمسك بحقه المقدس في استعادة دولته واستقلاله، غير أن مهندسي هذا القهر وجدوا أنفسهم أمام جدار من اليقين الشعبي الذي لا يلين، فبعد عشر سنوات من التنكيل، ظنوا فيها أن الشعب الجنوبي قد خارت قواه، فإذا به يخرج في ديسمبر الماضي بمليونيات زلزلت الأرض تحت أقدامهم في ساحة العروض، هاتفا بالاستقلال وحده، ولم يخرج يوما ليطالب بخبز أو ماء او كهرباء رغم عظم حاجته، مما أصاب أولئك المهندسين بصدمة عنيفة وانزعاج لا يوصف، حين رأوا أن روح الشعب لا تباع مقابل الماء ولا تشترى بضياء مصباح او بالبرود الشديد في عز الصيف.
فلما عجزوا عن كسر الإرادة بسلاح الخدمات، لجؤوا الآن إلى لغة الحديد والنار والضرب في المفاصل، فصوبوا سهامهم نحو القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة، وشرعوا في محاولة تفكيك المجلس الانتقالي وإضعاف قواته المسلحة، ظنا منهم أن ضرب الحامل السياسي والعسكري سيفضي حتما إلى كسر إرادة الشعب الملتفة حوله، فالإجراءات الحالية هي استكمال لذات المنهج ولكن بأدوات مختلفة واكثر خشونة، لأن استهداف المجلس هو في الحقيقة استهداف لمشروع الاستقلال ذاته، رغبة في دفع الشعب خطوات للوراء ليقبل صاغرا بما رفضه بالفقر والجوع، وتلك هي الفلسفة العقيمة التي تظن أن إضعاف الجنوب سيقود بالضرورة إلى استسلامه، بينما الواقع يؤكد أن الإرادة التي لم تنكسر بالظلام والجوع، لن تنحني أمام الواقع العسكري، والسياسي فمشروع الفيدرالية سيبقى وهما في رؤوس أصحابه ما دام هذا الشعب متمسكا بهويته، وما هذه الانفراجة الحذرة في الخدمات إلا دليل ضعفهم لا قوتهم، وتوجسهم من مارد خرج من القمقم ولن يعود إليه أبدا مهما بلغت المكائد مداها.