مليونية الثبات والقرار _ رمضان الثبات والإرادة
السبت - 28 فبراير 2026 - 12:18 ص
صوت العاصمة/ كتب / أبو ليث الحُميدي
في شهر الصبر والانتصارات، شهر تتجدد فيه معاني الثبات والإرادة، اختار شعب الجنوب أن يكتب فصلاً جديداً من تاريخه، لا بالحبر، بل بالحضور. في رمضان، حيث تميل الأجساد إلى السكون، خرجت الجموع من كل حدب وصوب، من حضرموت والمهرة، من شبوة وأبين، من لحج والضالع وسقطرى، لتلتقي في ساحة خور مكسر بالعاصمة عدن، في مشهدٍ لم يكن عادياً، بل كان استفتاءً شعبياً مفتوحاً عنوانه: الثبات والقرار.
لم تكن مليونية الثبات والقرار مجرد فعالية جماهيرية؛ كانت رسالة سياسية بامتياز. رسالة تقول إن هذا الشعب، الذي عرف دروب التضحيات، لا يتراجع حين تشتد العواصف، ولا يساوم حين يتعلق الأمر بقضيته وهويته ومستقبله. في نهارٍ رمضانيٍ طويل، صامت فيه الناس عن الطعام، لكنهم لم يصمتوا عن قول كلمتهم، ارتفعت الهتافات مؤكدة أن الإرادة الشعبية أقوى من كل محاولات الالتفاف أو الإقصاء.
لقد جدّد المحتشدون تفويضهم وثقتهم بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة الرئيس القائد/ عيدروس قاسم الزبيدي، مؤكدين أن هذه القيادة تمثل التعبير السياسي عن تطلعاتهم، وأن أي مسار سياسي لا يعترف بهذه الحقيقة إنما يعاكس اتجاه الشارع الجنوبي. التفويض هنا لم يكن إجراءً رمزياً، بل كان موقفاً واضحاً في لحظة سياسية حساسة، عنوانها: لا وصاية على الإرادة الشعبية.
رمضان في الوعي الإسلامي شهر بدر والفتح، شهر الانتصارات التي تحققت بالإيمان قبل السلاح. وهكذا أراد الجنوبيون أن تكون مليونيتهم: سلمية في أدواتها، صلبة في رسائلها، واضحة في أهدافها. أكدوا تمسكهم بالمرجعيات السياسية المعلنة، ورفضهم لأي محاولات لتفريخ مكونات بديلة لا تستند إلى قاعدة شعبية حقيقية. كما شددوا على أن أي حوار سياسي جاد يجب أن يُعقد في عدن، بضمانات واضحة، وأن تُعرض مخرجاته النهائية على استفتاء شعبي، لأن الشعب هو مصدر الشرعية وغايتها.
في المقابل، حملت المليونية تحذيراً سياسياً صريحاً: استمرار إدارة المشهد دون توافق وطني شامل يهدد الاستقرار ويفتح أبواب التوتر. الاستقرار لا يُبنى بالقرارات الأحادية، ولا يُصان بتجاهل القوى الفاعلة على الأرض، بل بالشراكة والتفاهم واحترام الإرادة الشعبية. كما أكدت الجموع أن الخدمات العامة ليست ورقة ضغط، بل حق أصيل للمواطن، وأن تسييسها أو استخدامها لمعاقبة الناس أمر مرفوض أخلاقياً ووطنياً.
ولم تغفل المليونية التأكيد على دور القوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية، باعتبارها صمام أمان المشروع الوطني، وسور الحماية لإرادة الشعب. الرسالة كانت واضحة: السلاح لحماية الأرض والهوية، لا لتقييد صوت الجماهير أو كبح مطالبها المشروعة.
ما جرى في ساحة خور مكسر لم يكن تجمعاً عابراً في تقويم الأحداث؛ كان لحظة سياسية فارقة. ففي زمن تتشابك فيه الحسابات الإقليمية والدولية، جاء الحشد الرمضاني ليقول إن الجنوب ليس ورقة في يد أحد، بل شعب حيّ يمتلك إرادته ويعبّر عنها متى شاء وكيفما شاء. لقد أفطر الصائمون ذلك اليوم على تمرٍ وماء، لكنهم قبل ذلك أفطروا على تجديد العهد: عهد الثبات على القضية، وعهد المضي نحو المستقبل بثقة لا تتزعزع.
رمضان هذا العام لم يكن شهراً للعبادة الفردية فحسب، بل كان موسماً لتجديد البيعة الشعبية للمشروع الوطني. ومن ساحة خور مكسر، ارتفع صوت الجنوب عالياً: سنبقى هنا… صامدين، موحدين، متمسكين بحقنا، حتى يتحقق ما خرجنا من أجله.
وإذا كان رمضان مدرسةً للصبر، فإن مليونية الثبات والقرار كانت امتحاناً عملياً نجح فيه شعب الجنوب بامتياز.