مليونية "الثبات والقرار الجنوبي": رسائل سياسية في بوتقة الضغط الدولي
السبت - 28 فبراير 2026 - 12:21 ص
صوت العاصمة/ بقلم د. أمين العلياني :
شهدت الليلة العاصمة عدن، هذا الحشد المليوني المهيب، مشكلًا مشهدًا زخمًا وحاشدًا دعا إليه المجلس الانتقالي الجنوبي، ليحمل من الدلالات ما يفوق كونه مجرد حدث جماهيري مليوني عابر.
لقد كانت هذه الحشود المليونية التي توافدت إلى ساحة العروض بخور مكسر بالعاصمة عدن بمثابة لوحة سياسية متكاملة الأركان، رسمتها إرادة شعب جنوبي عربي حر بأكمله، لتؤكد للعوالم الدولية والإقليمية والإسلامية أجمع أن قضية شعب الجنوب ليست وليدة لحظة، ولا هي نتاج صدفة، بل هي خلاصة نضال طويل وتعبير أصيل عن إرادة جمعية لا تلين، تتمترس خلف قيادتها السياسية ممثلة بالمجلس الانتقالي ورئيسه عيدروس الزبيدي، الذي ما زال يحمل أمانة التفويض الشعبي في استعادة الدولة الجنوبية المستقلة كاملة السيادة.
وقد حملت هذه المليونية العديد من الرسائل والمطالب ومن أهم هذه الرسائل، هي التأكيد على أن الشعب الجنوبي هو مصدر السلطة والقرار، وهو وحده المخول له منح الشرعية أو سحبها ممن يفوضه ويمنحه حق التعبير عن تلك الإدارة الجمعية في استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة.
كما حلمت تلك المشاهد المليونية التي عمّت ساحات العاصمة عدن، ردًا حاسمًا وقاطعًا على تلك المحاولات اليائسة، في تفريخ المكونات التي لا تؤمن بحق شعب الجنوب في استعادة دولته ومؤكدة أن هذه الكيانات المفتعلة لا تمثل أحدًا، ولا تحمل أي صفة تفويضية من الشعب، الذي عبر بوضوح عن تمسكه بقيادته التاريخية المتمثلة في المجلس الانتقالي الجنوبي، بصفته الكيان السياسي الوطني الجامع والممثل الحقيقي لإرادته في استعادة دولته مع تجديد التفويض للرئيس عيدروس الزبيدي بوصفه رمزًا وطنيًّا وممثلًا رئيسًا لتلك الإرادة الشعبية والتمسك بالبيان السياسي والإعلان الدستوري والميثاق الوطني كروافع سياسية من جهة وخريطة طريق لإدارة المرحلة الانتقالية من جهة أخرى.
وتذهب الرسالة السياسية الأعمق إلى أبعد من ذلك، لتؤكد أن المجلس الانتقالي الجنوبي ليس مجرد خيار سياسي عابر، بل هو المشروع الوطني التحرري الوحيد الذي يعبر عن تطلعات شعب الجنوب، الذي خاض معارك النضال والكفاح لعقود، حتى توجها بتشكيل هذا الكيان السياسي في مايو 2017م عبر تفويض شعبي حمل تطلعات شعب الجنوب في استعادة دولته. وإن أي محاولة لتسطيح هذه التطلعات، أو القفز عليها، أو تحويلها إلى خيارات فرعية أو مساومة عليها، هي محاولة مرفوضة شعبيًا وسوف تجابهها الجماهير بكل الطرق والسبل المشروعة، ولن تجد لها آذانًا صاغية، لأن شعب الجنوب بات أكثر وعيًّا وإدراكًا لحجم التضحيات التي بذلها، ولطبيعة حقه الذي لا يسقط بالتقادم ولا يقبل المجاملة أو الالتفاف ولا يسمح لأي أجندات إقليمية أو يمنية أن تفرض عليه خيار يتنافى مع خيار استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة.
أما الرسالة المهمة الأخرى التي تضمنتها هذه المليونية، فكانت بمثابة إعلان موقف واضح تجاه أي عملية سياسية أو حوارية تدار بالغرف المغلقة لتمثل رغبات لأجندات إقليمية وإن حشدت لها الرياض بمالها كل الشهود والوفود الدولية والدول المؤثرة؛ إلا أن المليونية جاءت لتقول بكلمات لا تحتمل اللبس: إن أي حوار يُدار في الرياض، يتجاوز الكيان السياسي الجنوبي الشرعي والمفوض من الشعب، سواء بتغييب رموزه الوطنية، أو بتهميش المشروع التحرري الذي يحملونه والمتمثل في المجلس الانتقالي الجنوبي، فإن هذا الحوار لا يعني إرادة الشعب في شيء، وغير ملزم له، ولن يعترف بأي مخرجات تنتج عنه. ويرى هذا الشعب أن المسألة ليست مجرد ترتيبات سياسية أو توزيع مناصب، بل هي تتعلق بمصير شعبه وإرادته التي لا يمكن اختزالها في صفقات أو تفاهمات تتم خلف الكواليس، أو تفرض عليها بقوة الأمر الواقع من قبل أطراف إقليمية بحضور مواقف دولية كما عرفها في اتفاق الرياض السابق وقرار نقل السلطة وتم الانقلاب عليها من الطرف الذي رعاها نفسه.
ومن هنا أيضًا، تأتي قراءة هذه المليونية العميقة للحكومة الحالية المشكلة في المناطق المحررة؛ فالمشهد الجماهيري المليوني كان بمثابة استفتاء شعبي على توصيف هذه الحكومة، التي ينظر إليها الشعب الجنوبي وقيادته السياسية على أنها حكومة "أمر واقع"، لا تحمل الصفة التمثيلية لإرادته ولا تعبر عن تطلعاته، وإن كان قد دخل في تركيبتها شخصيات ذات طابع جنوبي شكلي بالغالب، فإن ذلك ينظر إليه على أنه محاولة لشرعنتها عبر هندسة محاصصة حزبية ضيقة، تستند إلى اعتبارات مناطقية وجغرافية، وليست نتاجًا لتفويض شعبي جنوبي حقيقي ولا تفاهمات وتوازنات تضمن حق الشراكة المعبرة عن تطلعات الشعب الجنوبي الذي يمثله المجلس الانتقالي ورئيسه عيدروس الزبيدي. وترى إرادة شعب الجنوب هذه الحكومة التي وُلدت من رحم انقلاب أحادي الجانب على اتفاقات الرياض (الأول والثاني) وآلية نقل السلطة، التي كانت تمثل توافقًا دوليًا وأمميًا، هي حكومة لا تمثل شرعية سياسية لإرادة هذا الشعب؛ لأنها جاءت من إرادة فردية تفرض خياراتها بالقوة، معيدة إلى الأذهان ظروف ما بعد حرب 1994م، وإن اختلفت التسميات والوجوه.
لم تكن "مليونية الثبات والقرار الجنوبي" مجرد رسائل داخلية موجهة للأطراف المحلية والإقليمية، بل كانت وبشكل رئيس خطابًا موجهًا إلى المجتمع الدولي بأكمله. فمن قلب العاصمة عدن، رفع الملايين الجنوبيون مطالبهم الدولية الواضحة، مؤكدين أن تجاهل تطلعات شعب الجنوب العادلة لن يجلب الاستقرار للمنطقة، بل سيبقيها في حالة توتر وصراع دائمين؛ فالجنوب، بموقعه الاستراتيجي الفريد، وامتلاكه لمنافذ بحرية حيوية، ومضائق دولية، وجزر وموانئ مهمة، يُشكل عامل استقرار رئيس إذا ما تم احترام إرادة شعبه في استعادة دولته المستقلة، التي ستكون حصنًا منيعًا لأمن المنطقة ومصالحها.
كما حملت المليونية نداء صارخًا ومطلبًا واضحًا إلى المجتمع الدولي ليحمل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، في التصدي للعبث الحاصل والتجريف الظالم الذي تتعرض له قضية شعب الجنوب وكيانه السياسي ومقراته وقواته وأنصاره من ممارسات إقصائية من قبل طرف إقليمي أحادي في التحالف الذي يدير الملف بطريقة المصلحة الذاتية على حساب قضية الشعب وسيادته، سواء عبر قصف قواته العسكرية الحليفة في صحراء حضرموت والمهرة والضالع وراح ضحيتها مئات من الشهداء والجرحى عسكريين ومدنيين، أم عبر شيطنة رموز المشروع الجنوبي ومحاولة استهدافهم وتصفيتهم وقصاءهم بطريقة انقلابية، تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى جديته في تحقيق الاستقرار وإدارة الملف بطريقة دولية لا تضر بسيادة شعب الجنوب وعدالة قضيته؛ لأن تلك الأفعال التي مورست من طرف إقليمي أحادي تفرد بملف الحرب يمثل انقلابًا واضحًا على الشراكة التي أقرتها المبادرة الأمريكية والتوافقات الدولية والأممية، وتحولت الرياض من راعية للاتفاقات إلى طرف منحاز في الصراع، يفقد معه قدرتها على إدارة الملف اليمني جنوبًا وشمالًا بحيادية وموضوعية.
لذلك، يطالب شعب الجنوب العظيم المجتمع الدولي بأن يضع حداً لهذا العبث، وأن يقوم بدوره في حماية إرادة هذا الشعب ومكتسباته الوطنية، وأن يعترف بحقه المشروع في استعادة دولته المستقلة؛ فالاعتراف بحق شعب الجنوب وتطلعاته لم يعد مجرد خيار أخلاقي، بل أصبح ضرورة استراتيجية وهدف سياسي لتحقيق سلام دائم وعادل في المنطقة، لا يمكن أن يتحقق طالما تم قمع الإرادة الشعبية الجنوبية بالقوة، وتجاهل مطالبه العادلة، وسعى البعض إلى فرض حلول تخدم أجندات ضيقة على حساب مصير شعب بأكمله. وإن مليونية الثبات والقرار الجنوبي كانت بمثابة الإعلان الأخير قبل فوات الأوان: إما أن يحترم العالم الدولي والإقليمي إرادة شعب الجنوب، أو يتحمل مسؤولية الفوضى وعدم الاستقرار التي ستنجم عن حال استمرار تجاهلها.