قراءة في دلالات الصورة التي أرعبت الملك والصهاريج التي فضحت المملكة.
السبت - 28 فبراير 2026 - 01:18 ص
صوت العاصمة/ بقلم / د. يحيى شايف ناشر الجوبعي
في يوم الأربعاء الموافق ٢٥ فبراير ٢٠٢٦ شهد الجنوب حدثين متزامنين حملا أبعادا سيادية عميقة ، أحدهما رمزي سيادي والآخر فعلي اقتصادي ، لكن كليهما يرتبط بجوهر مشروع الجنوب السياسي ومستقبله.
الحدث الأول تمثل في عملية إنزال صورة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية من واجهة الجمعية الوطنية الجنوبية (البرلمان الجنوبي) بواسطة جنود موجهين من المدعو رشاد العليمي المدعوم سعوديا.
أما الحدث الثاني فتجسد في إدخال المملكة صهاريج ومعدات ضخمة إلى حقول النفط في صحراء ووادي حضرموت بهدف شفط وضخ النفط الجنوبي إلى
المملكة.
تقوم هذه القراءة على فرضية أن كلا الحدثين كانا مهمين بالنسبة للرياض حتى وإن كانت على حساب السيادة الجنوبية ، وربما كانت الخطة تقضي بأن كل حدث يستخدم بهدف صرف الانتباه عن الحدث الأخر ، وصولا إلى ضمان نجاحهما معا.
وفي المقابل تعامل الجنوبيون مع الحدثين بوصفهما معركة واحدة، وركزوا الأنظار عليهما معا لكشفهما وفضحهما بهدف إفشالهما ، نظرا لارتباطهما بالمشروع السيادي الجنوبي ؛ ولإن السيادة ليست مفهوما مجردا ؛ فهي تتجلى في مستويين متلازمين:
١-السيادة الرمزية : وهي السيادة المتمثلة في الهوية والشرعية السياسية والشعبية والتمثيل المؤسسي ورمزية العلم والشعار ورمزية الرئيس .
٢-السيادة الفعلية: وهي السيادة المتمثلة في التحكم بالموارد والثروات ومساراتها كالنفط والغاز والمواد المعدنية وغيرها.
وانطلاقا من ذلك يلحظ بإن إنزال الصورة يمس المستوى الأول ، ودخول الصهاريج إلى حقول النفط يمس المستوى الثاني.
ولهذا فإن الحدثين ليسا منفصلين ، بل وجهان لمعركة واحدة حول شكل الجنوب وحدود قراره المستقل وعلى هذا الأساس سيتم قراءة دلالات الحدثين على النحو الآتي :
أولا : قراءة في دلالات الصورة التي أرعبت الملك :
إن إنزال صورة الأخ الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية من على مبنى الجمعية الوطنية الجنوبية (البرلمان الجنوبي) بتوجيهات من المدعو رشاد العليمي المدعوم سعوديا لا تدل على استهداف رمزيتها السيادية فحسب بل استهدفت من خلالها مشروع استعادة الدولة الجنوبية الذي من أجله فوض شعب الجنوب القائد عيدروس الزبيدي لتاسيس المجلس الانتقالي الجنوبي كحامل سياسي للمشروع السيادي الجنوبي برئاسته.
ولهذا لا غرابة أن أحدثت الرمزية السيادية لهذه الصورة رعبا كبيرا لدى أقوى ملك في الشرق الأوسط ، الأمر الذي جعله يؤمر رئيس أذرعته الإرهابية اليمنية المدعو رشاد العليمي بتوجيه قوة عسكرية لإنزال صورة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي من على واجهة الجمعية الوطنية (البرلمان الجنوبي) ضنا منهم بأن إنزالها بالقوة وبالتزامن مع إغلاق مقرات الانتقالي ستؤدي إلى إسكات الشارع الجنوبي الذي فوض الرئيس عيدروس الزبيدي ولا سيما بعد ارتكاب حكومة الاحتلال اليمني الإرهابية المدعومة سعوديا للعديد من الجرائم بحق الشعب الجنوبي أبرزها عملية القصف الغادر للطيران السعودي الذي أسفر عن قتل أكثر من خمسمائة جندي من القوات المسلحة الجنوبية ولحقها إخضاع الوفد الجنوبي للإقامة الجبرية في المملكة وتشكيل حكومة صورية خارج إطار الشراكة بتمثيل فردي خارج عن المشروع السيادي الجنوبي والبدء في العبث بالقوات المسلحة الجنوبية ثم إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين في كل من حضرموت وشبوة وعدن مما أدى إلى جرح وقتل واعتقال المئات وغيرها من الأعمال التدميرية لقضية الشعب الجنوبي والمجلس الانتقالي بقيادة الرئيس الزبيدي.
معتقدين بأن عملية الإنزال لرمزية الصورة السيادية بالقوة بعد كل هذه الجرائم العدوانية ستؤدي إلى استسلام الشعب الجنوبي وإخضاعه وصولا إلى تخليه عن استعادة دولته وعن حامله السياسي ممثلا بالمجلس الانتقالي الجنوبي وعن رئيسه المفوض عيدروس الزبيدي وعن قواته المسلحة الجنوبية وعن وفده الجنوبي الواقع تحت الإقامة الجبرية وعن شهدائه وجرحاه وعن المعتقلين القابعين في سجون الاحتلال وعن ثرواته المنهوبة وعن جميع منجزات نضاله طيلة ثلاثين عاما .
إن تصرف الشقيقة بهذه الطريقة الغير محسوبة النتائج دليل على شعورها بالنقص بفعل فقدانها وأذرعتها اليمنية لشرعية البقاء في الجنوب ولاسيما بعد انتهى عملية الشراكة بعدما تحولت الشقيقة من شريك إلى مشارك في إعادة احتلال الجنوب في الاسبوع الأول من يناير ٢٠٢٦
مما جعلها ترى في تصرفاتها العدوانية منجزات وهمية تعوض من خلالها النقص الذي تعانيه بهدف إيهام الداخل والخارج بأن المشهد السياسي في الجنوب ما زال تحت السيطرة علها تحقق في وهمها هذا حالة من التوازن الإقليمي المفقود نتيجة للفضيحة المدوية التي سببتها عمليتها الغادرة وما لحقها من أعمال عدوانية حولتها من شريك للجنوب ضد الحوثيين إلى مشارك في تسليم الجنوب للحوثيين.
إلا أن المفاجئة التي أرعبتهم أكثر اصطدامهم بالوعي والثبات والصمود الجنوبي الذي اعتبر بأن إنزال صورة الرئيس القائد المفوض عيدروس قاسم الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية تعني بالنسبة للجنوبيين مساسا مباشرا برمزية مشروعهم السيادي ، الأمر الذي جعل الشعب الجنوبي ينهض نهضة الرجل الواحد من أقصاء الجنوب إلى أقصاه مجسدا ذلك في الاستجابة السريعة للمشاركة في المليونية الكبرى التي دعت لها قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة الأخ الرئيس القائد عيدروس الزبيدي يوم الجمعة الموافق ٢٧/فبراير ٢٠٢٦ لرفض الوصاية والتمسك بالانتقالي وتجديد العهد للرئيس القائد عيدروس الزبيدي وعدم المساس بوحدة القوات المسلحة الجنوبية ورفض الاعتراف بحكومة الاحتلال اليمني المدعوم سعوديا كونها ليست حكومة شراكة بل حكومة أمر واقع والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين الجنوبيين ورفض العبث بالثروات الجنوبية والاستمرار في التصعيد الثوري السلمي حتى استعادة الدولة الجنوبية.
ثانيا : قراءة في دلالات الصهاريج التي فضحت المملكة :
إذا كانت الصورة تعبر عن شرعية السيادة الشعبية فإن النفط يعبر عن شرعية السيادة الطبيعية ، لهذا فدخول معدات وصهاريج سعودية ضخمة إلى حقول صحراء ووادي حضرموت لإنشاء محطات شفط وضخ لثروات حضرموت الجنوبية وسحبها إلى السعودية وذلك بالتزامن مع إنزال الصورة الرمزية وبطريقة غير مشروعة مما يدل على وجود نوايا مبيتة لإعادة ترتيب مسار الثروة الجنوبية بهدف التحكم بمصدر الدخل الرئيسي للجنوب وقضيته ومجلسه الانتقالي ، من خلال ربط البنية الاقتصادية الجنوبية بمنظومة خارجية تهدف إلى خلق واقع اقتصادي بأس طويل الأمد يصعب تغييره لاحقا.
ومن هذا المنظور فإن العبث في الوقت ذاته برمزية الصورة التي تجسد شخصية الرئيس الشرعي المفوض عيدروس الزبيدي أخطر استراتيجيا ، لأن المساس برأس الهرم السياسي الجنوبي يتعلق بمستقبل القرار الجنوبي بشكل عام والاقتصادي بشكل خاص
ثالثا:قراءة في دلالات صرف الأنظار المتبادل.
أدرك الشعب الجنوبي وقيادته السياسية ممثلة بالأخ الرئيس القائد عيدروس الزبيدي منذ اللحظة الأولى بأن كل حدث قد خطط له كي يستخدم في تغطية الحدث الآخر فمن خلال إثارة الجدل حول الصورة ورمزيتها السيادية يتم استنزاف الانتباه الشعبي والإعلامي بهدف تمرير إدخال الصهاريج الضخمة إلى منابع النفط الجنوبية في صحراء ووادي حضرموت لإنشاء مشاريع شفط وضخ النفط الجنوبي إلى المملكة بعيدا عن الأضواء .
وفي الوقت نفسه إشغال الرأي العام الجنوبي والخارجي بقضية إدخال الصهاريج الضخمة لشفط النفط الجنوبي بهدف صرف الأنظار عن المعركة الرمزية الخطيرة المتمثلة بإنزال الصورة الرمزية للرئيس الشرعي المفوض عيدروس الزبيدي .
وبهذا المعنى ضنوا بأنهم سينجحوا في تمرير الحدثين معا ، لما يمثلانه من أهمية مزدوجة تتجسد في عملية(ضبط الرمز وتأمين المورد) إلا أن محاولتيهما منيتا بالفشل الذريع بفعل الوعي الجنوبي المتنور.
رابعا : قراءة في دلالات رد الفعل الجنوبي.
لم يتعامل الشارع الجنوبي مع الحدثين بوصفهما ملفين منفصلين بل تعامل معهما كجزء من معادلة واحدة تمس جوهر المشروع السيادي من خلال تثبيت الأنظار على الحدثين معا ، ورفض الفصل بين الرمزية السياسية والسيادة الاقتصادية وذلك من خلال التأكيد على أن حماية المشروع الجنوبي تبدأ بحماية رموزه وثرواته في آن واحد.
وبهذا الوعي الجمعي الجنوبي أصبح من الصعب على الشقيقة وأذرعها اليمنية الإرهابية الهيمنة على المشهد السياسي الجنوبي عبر سياسة الإلهاء أو تجزئة القضايا وفقا وما كان مخططا لها .
والدليل على ذلك أن الشقيقة هدفت وأهمة من خلال هذين الحدثين السعي إلى تحقيق نجاحات جاهزة دون أي مقاومة مما سيؤدي إلى رفد طاقتها ومصالحها الاستراتيجية من خلال ضم الطاقة والمصالح الجنوبية إليها بعد أن أصبحت ثروة مباحة لا سيادة لها كما اعتقدت بأنها قد نجحت في العبث بالحامل السياسي للمشروع السيادي الجنوبي ممثلا بالمجلس الانتقالي الجنوبي وبرئيسه المفوض الشرعي الأخ الرئيس القائد عيدروس الزبيدي.
إلا أن هذه التصرفات العبثية التي أقدمت عليها المملكة وأذرعها اليمنية إزاء سيادة الرمز والثروة السيادية للجنوب دفع الجنوبيون إلى النهوض والثبات والتصدي وبقوة بهدف
تثبيت الهوية السياسية وتعزيز مكانة القيادية الجنوبية ، وحماية الثروة النفطية ، ومنع تحويل الجنوب إلى ساحة نفوذ اقتصادي بلا سيادة سياسية مما يجعلها بمثابة ضيعة مباحة لكل من هب ودب دون حسيب أو رقيب .
نخلص من كل ذلك إلى أن الحدثين مترابطين في جوهرهما السيادي رغم اختلاف طبيعتهما لأن سيادة الرمز والسيادة الاقتصادية خطان متوازيان في معركة تقرير المصير.
ولهذا فمحاولة تمرير المملكة لحدثين متزامنين أحدثت إدراكا جنوبيا بالأهمية الاستراتيجية لكل منهما. إن توحيد الانتباه الشعبي تجاه الملفين جعل المملكة وجها لوجه أمام الشارع الجنوبي وهو ما سيؤدي إلى إفشال مخططاتها السياسية وفضح ممارسات هيمنتها على مصادر الاقتصاد الجنوبي .
ونخلص من ذلك إلى أن ما حصل في يوم واحد لم يكن الهدف منه مس شرعية الرمز المفوض فحسب بل والمساس في جوهر الصراع المتمثل في استعادة الدولة الجنوبية بحلتها الفدرالية الجديدة
وصيانة ثروتها السيادية من عبث الغدر والخيانة التي تجسدت في اتفاقية مسقط بين الاحتلالين السعودي واليمني للعبث في الثروة السيادية للجنوب.
ولهذا فالتزامن بين الحدثين ربما كان الهدف تمريرهما معا ، إلا أن الصحوة الجمعية للجنوبيين أدت إلى تثبيت الأنظار الجنوبية عليهما في آن واحد مما حول المشهد إلى معركة سيادية شاملة ، لأن المشاريع السياسية لا تبنى بالصورة وحدها ، ولا تصمد بالثروة وحدها،
بل تتماسك حين تحمى الرموز والموارد معا باعتبارهما ركيزتي السيادة الجنوبية.
د. يحيى شايف ناشر الجوبعي
باحث ومحلل سياسي