الجنوب يرسم مرحلة تتحول فيها المليونيات إلى مشروع دولة
الثلاثاء - 03 مارس 2026 - 12:23 ص
صوت العاصمة/ عين الجنوب
لم تكن الحشود الجماهيرية التي امتلأت بها ساحة العروض في عدن في كل مره مجرد مشهد احتفالي أو استعراض سياسي عابر، بل بدت كأنها لحظة فارقة أعادت صياغة المشهد الجنوبي برمته، ورسخت معادلة جديدة عنوانها أن الإرادة الشعبية ما زالت العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد اتجاهات المرحلة المقبلة. فقد حمل هذا الزخم الجماهيري رسائل تتجاوز حدود المكان والزمان، مؤكدة أن الجنوب لم يعد قضية قابلة للتأجيل أو ملفًا يمكن التعامل معه ضمن حسابات خارجية منفصلة عن نبض الشارع.
المشهد في الجنوب عكس حالة سياسية ناضجة تتشكل تدريجيًا، حيث لم يعد الحضور الشعبي في المليونيات مجرد تعبير احتجاجي، بل تحول إلى إعلان سياسي واضح بأن أي ترتيبات مستقبلية لا يمكن أن تنجح ما لم تنطلق من الواقع الجنوبي نفسه، ومن العاصمة عدن بوصفها مركز القرار السياسي والاجتماعي. فالحشود لم تكن فقط لتأكيد موقف، بل لتثبيت حقيقة مفادها أن الشرعية الشعبية أصبحت عنصرًا حاسمًا في رسم مسارات الحلول السياسية القادمة.
ومع ذلك، فإن التحولات الكبرى لا تصنعها الجماهير وحدها، إذ تبرز أمام القوى السياسية مسؤولية الانتقال من مرحلة التعبئة إلى مرحلة البناء المؤسسي. فاللحظات التاريخية، مهما بلغت قوتها، تظل مهددة بالتلاشي إن لم تتحول إلى برامج عمل واضحة، وهياكل تنظيمية قادرة على إدارة الواقع المعقد داخليًا والتفاعل مع المجتمع الدولي بلغة المصالح والقانون. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: كيف يمكن تحويل الهتاف الشعبي إلى سياسات عامة، والزخم الميداني إلى منظومة حكم قادرة على الاستمرار؟
المرحلة الراهنة تفرض إعادة ترتيب الأولويات داخل البيت الجنوبي، ليس فقط عبر تعزيز التمثيل السياسي، بل من خلال بناء مؤسسات حديثة تقوم على الكفاءة والشفافية والانضباط الإداري. فالقضية لم تعد محصورة في حدود الصراع الميداني، بل انتقلت إلى فضاءات أكثر تعقيدًا ترتبط بالقانون الدولي والدبلوماسية والعلاقات الخارجية، وهي ساحات تتطلب أدوات مختلفة وخطابًا احترافيًا قادرًا على مخاطبة العالم وفق قواعده لا وفق منطق الشعارات.
وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، تبدو الحاجة ملحة لتأسيس أطر متخصصة تُعنى بالمسارات القانونية والدبلوماسية، بما يعزز الحضور السياسي للقضية الجنوبية في المحافل الدولية ويمنحها قدرة أكبر على الدفاع عن حقوقها ضمن منظومة القانون الدولي. فالمعارك الحديثة لم تعد تُحسم فقط في الميدان، بل في غرف التفاوض، ومراكز الدراسات، والمؤسسات القانونية التي تصوغ الروايات وتمنحها الشرعية الدولية.
ما أفرزته ساحة العروض لم يكن نهاية احداث جماهيريه، بل بداية اختبار سياسي جديد، عنوانه الانتقال من ردود الفعل إلى الفعل المنظم، ومن التعبير الشعبي إلى مشروع دولة متكامل. فالفرصة التاريخية التي يقف أمامها الجنوب اليوم لا تكمن في حجم الحشود بقدر ما تكمن في القدرة على استثمار هذا الزخم وتحويله إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى تؤسس لمرحلة مختلفة، يكون فيها الصوت الشعبي أساسًا لبناء مؤسسات راسخة قادرة على تثبيت الحقوق سياسيًا وقانونيًا، وصناعة مستقبل يتجاوز منطق اللحظة إلى استقرار دائم قائم على التنظيم والدولة.