الجنوب بعد 100 يوم.. هل نغـ.ـتال قضيتنا بسكـ.ـين "التخوين"؟
الثلاثاء - 21 أبريل 2026 - 01:45 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حسين المحرمي
أكثر من 100 يوم مضت والجنوب ينزف دماً ويعتصر ألماً، ليس فقط بسبب الجراح الخارجية، بل بفعل تصدعات داخلية وفرقة حادة بين أبناء شعب واحد بلغت حد التجريح والتخوين، بل والاشتباك بالأيدي والسلاح كما حصل في حضرموت وشبوة وعدن وأخيراً في الضالع. من المحزن أن نرى هذا "الشرخ" يتسع بين أبناء الأرض الواحدة والهدف المشترك، في وقت لا يحتمل فيه مشروعنا الوطني لأي شكل من أشكال التآكل الداخلي.
ومن المفارقة العجيبة، أن جميع قيادات ونشطاء وإعلاميي الجنوب، سواء الذين في الداخل أو الخارج، أو من يُطلق عليهم لقب "البناكسة" أو "العدارسة"، كانوا قبل 100 يوم، وبالتحديد ما قبل "6 يناير"، يقفون على طاولة واحدة وفي خندق واحد، وكان كل طرف يشيد بجهود الآخر، ويُعدّون جميعاً من طليعة المدافعين عن تطلعات شعب الجنوب في الحرية والاستقلال، ولهم سجل نضالي مشهود بالنزاهة طوال السنوات الماضية.
بين عشية وضحاها، كيف تحوّل هؤلاء المناضلون إلى "مرتزقة" في نظر رفاقهم؟! وكيف يُقذف من كان يبذل دمه وماله في مقدمة الصفوف بلقب "خائن" أو "متبنكس" بلمح البصر؟ إن التساؤل الجوهري هنا: من المستفيد الحقيقي من هذا التشظي؟ وما هو المعيار الوطني أو الأخلاقي الذي استند إليه الطرف الآخر في إطلاق هذه الأحكام الضيقة وتجريد قيادات الصف الأول والثاني في الجنوب من وطنيتهم وولائهم للقضية؟
إن التواجد في الرياض من أجل الحوار ليس جريمة، بل هو مسار سياسي استُقبل بترحيب جنوبي "سياسي وشعبي" واسع، فهل من العقلانية والمنطق أن نعمم تهمة الخيانة على كل من ينتهج طريق الحوار؟ وإذا كان المعيار هو "التبنكس"، فماذا عمّن استقروا في عواصم عربية بجنسيات وإقامات ذهبية ومميزة وجوازات دبلوماسية طيلة السنوات الماضية؟ إن احتكار "الصكوك الوطنية" وتوزيعها وفقاً للأهواء هو منزلق خطير يهدف لشيطنة المخالف، ولا يصب في مصلحة أحد سوى المتربصين بالقضية.
كل الإجابات على الأسئلة السابقة ترد عليها تصريحات القيادات الجنوبية المتواجدة في الرياض، والتي لا تزال تحمل ذات المضامين الوطنية؛ من مطالبات صريحة بإنصاف القضية، واستعادة الدولة، والاستماع لصوت الشعب، فما الذي تغير أصلاً؟!
دعونا نترك كل ذلك جانباً، فشعب الجنوب يمتلك من الوعي ما يكفي لتجاوز الشعارات "الكرتونية" والاتهامات المعلبة التي تخرج من غرف مغلقة، إننا بحاجة اليوم لقول "لا" صريحة لبيع الوهم، و"لا" للتخوين والتقليل من شأن الآخر، و"نعم" للعمل الحقيقي تحت مبدأ "الجنوب لكل وبكل أبنائه"، لأن الارتكان إلى قاعدة "إذا لم تكن معي فأنت ضدي أو عدوي" هو اغتيال للمستقبل، وشيطنة الآخر لمجرد أنه يتبنى رؤية مختلفة أو يتبع مساراً سياسياً مغايراً هو هدم لأسس الدولة التي ننشدها، كما لا يحق لأحد احتكار "صكوك الوطنية" لنفسه، ولا يجوز جعل أجساد المناضلين وتاريخهم مادة دسمة للتجريح والتخوين.
إن قضية الجنوب، في هذه اللحظة التاريخية الفارقة أحوج ما تكون إلى وحدة الصف والتكامل السياسي والميداني والإعلامي، وإن تضحيات الشهداء التي امتدت لعقود تستحق منا الارتقاء إلى مستوى المسؤولية، وليعلم الجميع أن المستفيد الوحيد من فرقتنا هم أعداء القضية، الذين يدركون أن "قوة الجنوب في تلاحمه"، وأن اختلاف القيادات هو الثغرة التي سينفذون منها لإجهاض كافة المكتسبات السابقة.
رسالة أخيرة إلى كل قيادات وشعب الجنوب.. أمامنا اليوم فرصة تاريخية لانتزاع الحقوق واستعادة الدولة، فلا تضيعوها في صراعات بينية وانتظار فشل بعضكم البعض؛ لنكن صفاً واحداً من أجل الوطن، ومن أجل دماء الشهداء، ومن أجل مستقبل أطفالنا وأجيالنا. إن الواجب الوطني يحتم علينا جميعاً ردم الفجوات، والاستعداد الجاد للدخول في "الحوار الجنوبي الجنوبي" المزمع عقده في الرياض بقلب وصوت واحد مطلبه: "استعادة الدولة كاملة السيادة"، وتغليب المصلحة العليا للشعب على كل الحسابات الضيقة قبل فوات الأوان.