المظاهر تخدع… أمّا الحقيقة فتكشفها العقول والأفعال
الإثنين - 11 مايو 2026 - 10:44 م
صوت العاصمة/ بقلم: جمال علي
في زمنٍ أصبح فيه كثيرٌ من الناس أسرى للمظاهر، بات البعض يقيس قيمة الإنسان بشكل وجهه، وهيئة لباسه، وحجم صوته، وطريقة استعراضه أمام الآخرين، بينما الحقيقة أعمق بكثير من تلك القشور التي تخدع الأبصار ولا تصنع احترامًا حقيقيًا.
فأكبر شنب قد يكون شنب الهرّ أو البس، وأكبر رأس قد يكون رأس البقر، وكلمة “سمخ” التي يتفاخر بها البعض ليست إلا اسمًا لرضيع الماعز. وهنا تتجلّى الحكمة؛ فليس كل ما كبر حجمه عظُم قدره، وليس كل ما لفت الأنظار امتلك قيمة أو رجولة أو عقلًا راجحًا.
ولم يعد الخداع اليوم مقتصرًا على المظاهر الشخصية فقط، بل تجاوز ذلك إلى من يتسترون خلف اسم الوطن وشعارات الوطنية، ويتاجرون بالقضايا العادلة لتحقيق مصالحهم الخاصة. فالكثير يرفع راية الوطن بلسانه، بينما أفعاله بعيدة عن الوطن كما بين السماء والأرض. يتحدثون باسم الشعب، لكنهم لا يشعرون بآلامه، ويرددون كلمات الوفاء والانتماء، بينما مواقفهم الحقيقية تكشف حجم التناقض والزيف الذي يعيشونه.
فهناك من يجعل الوطنية مجرد شعارٍ للاستعراض، ومن يتقمص دور المناضل وهو أول من يخذل الوطن عند أول اختبار للمصلحة أو الموقف. يلبسون ثوب التضحية، لكنهم يبحثون عن النفوذ والمكاسب، ويتحدثون عن الكرامة وهم يمارسون أبشع صور الأنانية والانتهازية.
لذلك، فالبشر لا يُقاسون بالشكل والمظهر، ولا بالألقاب والشعارات الرنانة، فالكثير يلبس أفخم الثياب، ويتظاهر بالقوة والهيبة والوطنية، بينما حقيقته فارغة من الأخلاق والقيم والمبادئ. وهناك من يبدو بسيطًا في مظهره، لكنه يحمل في داخله صدق الرجال وشرف المواقف ونقاء الانتماء.
كم من إنسانٍ بسيط الهيئة، لكنه كبير العقل والموقف والاحترام، إذا تحدث أنصت له الجميع، وإذا حضر فرض هيبته بأخلاقه لا بضجيجه. وكم من شخصٍ يملأ المكان استعراضًا وتفاخرًا وشعاراتٍ وطنية، لكنه يسقط عند أول امتحان للصدق أو الوفاء أو الرجولة أو الإخلاص للوطن.
إن الحياة لا تحترم الأقنعة طويلًا، والأيام كفيلة بأن تكشف المعادن الحقيقية للبشر، وتفضح كل من جعل الوطنية سلعة، أو استخدم اسم الوطن للوصول إلى مصالحه الشخصية. فالقيمة ليست فيما تلبس، ولا فيما تملك، ولا فيما تدّعي، بل فيما تحمله من عقلٍ ناضج، وأخلاقٍ ثابتة، ومواقف تظل شامخة حين يسقط المتصنعون والمتاجرون بالقيم والمبادئ.
فلا تغترّ بالمظاهر، ولا تنخدع بالبريق الكاذب أو بالشعارات المرتفعة، لأن العظمة الحقيقية لا تُولد من الشكل، ولا من كثرة الكلام، بل تُصنع من الأخلاق، والوعي، والصدق، والإخلاص، واحترام الإنسان لنفسه ولوطنه وللناس.
ويبقى الإنسان العظيم… عظيمًا بعقله وأدبه ومواقفه، لا بحجم شاربه، ولا بعلو صوته، ولا بالشعارات الزائفة التي تزول مع أول اختبار للحقيقة.