رحيل الرئيس هادي.. حين يتحوّل الموت إلى منصة للشماته والكراهية
الجمعة - 29 مايو 2026 - 06:31 م
صوت العاصمة/ كتب / د. محمود شائف
برحيل الرئيس هادي، لم يكن المشهد مؤلماً فقط بسبب فقدان رجل شغل موقع الرئاسة في لحظة تاريخية بالغة الشدة والتعقيد من تاريخ اليمن، بل لأن ما أعقب إعلان الوفاة كشف مرة أخرى عن حجم الأزمة الأخلاقية والفكرية التي تعصف ببعض الخطابات السياسية والإعلامية لمثقفي ونخب الشمال، والتي تجاوزت حدود الخصومة السياسية إلى السقوط في مستنقع التشفي والكراهية وإلاهانه لأبسط القيم الإنسانية.
فالموت، لدى كل شعوب الارض وفي كل الثقافات والأعراف، لحظة تتراجع فيها الخصومات، وتصمت فيها الضغائن، احتراماً لحرمة الإنسان ،و قدسية الموت واحتراما لمشاعر ذوي واقارب ومحبي الموتى .. غير أن ما صدر عن بعض السياسيين والناشطين والمثقفين الشماليين عقب سماع خبر وفاة الرئيس هادي، من سخرية وتجريح واحتفاء فج، لم يكن مجرد اختلاف سياسي أو موقف نقدي من مرحلة حكمه، بل كان تعبيراً صادماً عن أزمة أخلاقية عميقة، وعن نزعة حقد دفين تجاه كل ما يمت بصلة إلى الجنوب ورموزه وتاريخه السياسي.
إن المشكلة هنا لا تكمن في حق الناس في الاختلاف مع الرئيس الراحل أو تقييم تجربته السياسية؛ فذلك حق مشروع ومتاح للجميع. لكن الانحدار إلى مستوى الشماتة بالموت، والتلذذ بإهانة رجل غادر الحياة، هو سقوط لا يسيء إلى الراحل بقدر ما يفضح مستوى الخطاب الذي يتبناه أصحابه، ويكشف حجم التآكل واللوث القيمي الذي أصاب الوعي السياسي لدى البعض.
وما يزيد المشهد مرارة أن كثيراً من الجنوبيين، على اختلاف توجهاتهم ومواقفهم من الرئيس هادي نفسه، تعاملوا مع الحدث بقدر كبير من الاحترام والإنسانية، انطلاقاً من إدراكهم أن الموت أكبر من الحسابات السياسية، وأن كرامة الإنسان لا ينبغي أن تكون رهينة للخلافات والصراعات.
بل إن التجربة أثبتت مراراً أن الجنوبيين، في مواقف مماثلة، كانوا أكثر سموّاً ورقياً في تعاملهم مع وفيات شخصيات شمالية، حتى أولئك الذين ارتبطت أسماؤهم بحروب أو خصومات أو مواقف مؤذية تجاه الجنوب. فلم تُعرف عن المجتمع الجنوبي ثقافة التشفي بالموت، ولا تحويل الجنائز إلى ساحات انتقام نفسي وأخلاقي. وذلك ليس ضعفاً، بل انعكاساً لمنظومة قيمية وأخلاقي تربينا عليها ترى أن احترام الموت جزء من احترام الذات والإنسانية.
"نخاصم بشرف ونقاتل ونواجه بشرف"
ان اللغة التي ظهرت عقب وفاة الرئيس هادي لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد انفعال عابر أو رد فعل سياسي مؤقت، بل هي مؤشر خطير على تراكم دفين لثقافة الكراهية والإقصاء، وعلى وجود عقلية لا تزال تنظر إلى الجنوبي ـ مهما كان موقعه أو صفته ـ بعين الحقد والعداء التاريخي.
وهي عقلية تعجز حتى عن الفصل بين الخلاف السياسي والقيم الإنسانية الأساسية التي جبلت عليها البشريه.
ولعل المؤسف أكثر أن بعض من يفترض أنهم يمثلون النخبة الثقافية والإعلامية سقطوا في هذا الامتحان الأخلاقي، فبدلاً من أن يقدموا نموذجاً للاتزان والرقي، ساهموا في تعميق الانقسام وتغذية الأحقاد، وكأن المشكلة ليست في السياسات بقدر ما هي في الهوية والانتماء ذاته.
إن الجنوب، وهو يراقب هذا الانحدار المؤلم في الخطاب، لا يحتاج إلى الرد بالإساءة أو الانجرار إلى ذات المستوى، لأن الفارق الحقيقي لا يُقاس بحدة الضجيج، بل بقدرة الشعوب على التمسك بأخلاقها حتى في لحظات الألم والاختلاف.
رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي، وغفر له، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
ويبقى الرهان الحقيقي على أن تنتصر القيم الإنسانية يوماً على لغة الكراهية، وأن يدرك الجميع أن احترام الموت ليس موقفاً سياسياً، بل امتحان أخلاقي يكشف معادن البشر والمجتمعات.