ثروة الجنوب وعبث الفوضى: من معركة الـ.ـسلاح إلى معركة الوعي
الخميس - 04 يونيو 2026 - 12:19 ص
صوت العاصمة/ بقلم د. أمين العلياني
في اللحظة التي يظن فيها المواطن الجنوبي أن الجراح قد بلغت مداها، وأن الكأس قد طفحت بما يكفي من المرارات، تطلّ برأسها آفةُ حربِ الفوضى التي لا تقتل بالرصاص فحسب، بل تقتل بالحبر أيضًا؛ حبرِ الاتفاقيات التي تُوقَّع في الغرف المغلقة، على ضوء الشموع الخافتة، حيث تُباع السماء قبل أن تُمطر، وتُرهن الأرض قبل أن تُنبت، وتُقايض السيادة قبل أن تُستكمل. وحين يُستقدم الجندُ الأجنبيُّ إلى ثرى الجنوب العربي تحت ذرائع حماية الاستثمار وتأمين الممرات، يكون المشهد قد اكتملت فصوله، وبلغت المؤامرة غايتها، واستحكمت الوصايةُ الإقليميةُ التي لا تبقي للكرامة موضع قدم.
والمشهد الأقسى هو أن ينجوَ الجنوب من حربٍ ضروس، ليجد نفسه في مواجهة حربٍ من نوع آخر، حربٍ لا تُشنّ بالطائرات والدبابات فحسب، بل بالمشاريع التنموية الوهمية، والاتفاقيات الاستثمارية الملغومة، والمساعدات الإنسانية المشروطة، والقواعد العسكرية المقنَّعة، والقوات الأجنبية التي تنزل على الأرض وكأنها في ملك يمينها. فهذه الحرب أداتها الفوضى، وجنودها المستقدمون كحلقة حماية، وغايتها اقتسام ما تبقى من جسد الجنوب الحيّ: جغرافيته وثروته وسيادته.
ومن هنا لم يعد خافيًا على أحد ما بات يُروى في كواليس المشهد الإقليمي من أنباء عن نزول قوات باكستانية على أراضي الجنوب العربي، في خطوةٍ لم يُستشر فيها شعب، ولم يُعلن عنها في بياناتٍ رسميةٍ تُحترم، بل جاءت تلك القوات تحت لافتات التحالف الجديد تارةً، وتحت ذرائع حماية الاستثمارات تارةً أخرى، وبين هذا وذاك تُرسّخ وجودها في المطارات والموانئ والمنشآت الحيوية، وكأن الأرض قد أصبحت ساحةً مباحةً لكل من امتلك القوة وأراد المغانم.
وكل هذا الوجود العسكري يكرّس وضوحًا في تطبيق استراتيجية الفوضى التي يُراد منها تطويع الجنوب وإخضاعه لإرادةٍ إقليميةٍ لا تؤمن بسيادة الشعب، ولا تعترف بحقه في تقرير مصيره، وتحقيقِ وصايةٍ محكمةِ الحلقات، تبدأ بالجندي الذي يحرس المنشآت الحيوية، وتمرّ بالمستثمر الذي يوقّع العقد في الظلام، وتنتهي بالمواطن الذي يُقال له: إن أردت الخبز فاسكت، وإن أردت الكهرباء فاخضع، وإن أردت المرتَّب فسلِّم بمصيرك المحتوم تحت جناح الوصاية.
لقد أدرك خصوم الجنوب، ومن لفَّ لفَّهم من قوى الشركات العابرة للقارات والأذرع العسكرية الإقليمية، أن المواجهة العسكرية المباشرة لم تعد مجدية، وأن الصمود الجنوبي قد كسر شوكة الغزاة. ومن هنا انقلبوا إلى استراتيجية أخرى أكثر دهاءً، وهي استراتيجية الفوضى التي تجعل من الجنوب غنيمةً تتقاسمها الأيادي الخفية، عبر اتفاقيات تنتقص من السيادة، وعبر تفريخ هويات محلية هجينة هدفها الوحيد التنازل عن الجغرافيا تحت شعار الخصوصية واللامركزية والشراكة الاقتصادية.
وما إن تُمعن النظر في مظاهر هذه الاستراتيجية، حتى تكتشف أنها خطة محكمة الحلقات، متسلسلة الخطوات، يغذّي بعضها بعضًا في تناغمٍ مخيف؛ فهي تبدأ بطرح مشاريع تنموية واستثمارية كبرى في الموانئ والجزر والحقول النفطية، قبل أي حل سياسي يضمن حق شعب الجنوب العربي في تقرير مصيره. ففي المهرة وحضرموت وسقطرى وعدن وشبوة، تُعرض اليوم صفقاتٌ بمليارات الدولارات، تُوقَّع مع كيانات لا تملك من أمرها شيئًا، وتُمرَّر تحت ستار الإنقاذ الاقتصادي، وكأن السيادة يمكن أن تُجزّأ، وكأن الأرض يمكن أن تُباع على أقساط!
ثم تأتي الحلقة التالية فتربط المساعداتِ الإنسانيةَ والإغاثيةَ بتوقيع اتفاقيات طويلة الأمد، وتربط تحسينَ مستوى معيشة المواطن وخدماته ورواتبه بهذا التوجه الاستعماري الجديد. وهنا تتحول معاناة الناس إلى رافعة للابتزاز، ويصبح الجوع سلاحًا يُصوَّب إلى رأس الكرامة الوطنية، وتغدو الكهرباء التي تنير البيوت ثمنًا للخنوع، والمرتبات التي تسدّ الرمق قيدًا في معصم الإرادة. وبهذا تصبح هذه المعادلة الوحشية هي التي تجعل الجنوب تحت مفهوم الوصاية التي تقول: اخضعوا نُطعمكم، اسكتوا نُنركم، سلِّموا ندفع لكم.
أما الحلقة الثالثة فتكمن في دعم كيانات محلية هشة، تُصنع على المقاس، لتوقيع تفاهمات منفردة بخصوص الثروة، أو للتنازل عن مساحاتٍ يُراد استقطاعها من محافظات الجنوب الحيوية تحديدًا.
وتُختتم حلقات المأساة بإشغال الرأي العام بالأزمات المعيشية الخانقة، ليظل المواطن لاهثًا وراء لقمة العيش، غارقًا في تفاصيل يومه المرير، وكأنه يُقال له: انشغل بجوعك ودع السيادة لمن يحميها، فلا يرفع رأسه لينظر كيف تُمرَّر صفقات السيادة في الخفاء، وكيف تُنقل خرائط الثروة من يدٍ إلى يدٍ تحت جنح الظلام، وكيف ينزل الجندي الأجنبي أرضه فلا يجد من يسأله: بأي حقٍّ جئت؟ وبأي تفويضٍ نزلت؟.
في هذه اللحظة الحاسمة، يبرز دور الوعي الجنوبي بوصفه خط الدفاع الأول في كشف عوالم هذه الخطط وآلاعيبها، وفضح العبث الذي يُحاك في الغرف المظلمة. وتتلخص مهمته في كشف خيوط المؤامرة وربطها ببعضها؛ فالقوات الباكستانية التي تنزل في المطارات، والاتفاقيات الاقتصادية التي تُوقَّع مع شركات أجنبية، والكيانات المحلية التي تُصنع لتكون واجهةً للتفريط، والمساعدات المشروطة التي تُستخدم كأداة ضغط، كل هذه الخيوط يجب أن تُنسج في قصةٍ واحدةٍ يفهمها المواطن البسيط، فيرى الصورة الكاملة لا الأجزاء المتناثرة.
وأمرٌ ثانٍ يكون من خلال فضح الارتباط العضوي بين تحسين مستوى المعيشة والوصاية الإقليمية. فالمعادلة القذرة التي تُعرض على الشعب: سلِّم نحسِّن معيشتك، اخضع ندفع رواتبك، تنازل عن سيادتك نؤمِّن كهرباءك. وهذا الابتزاز يجب أن يتحول إلى فضيحةٍ سياسيةٍ وأخلاقيةٍ مدوّية، لا إلى أمرٍ واقعٍ يُقبل بالأمر الواقع.
كما أن إنتاج الرواية المضادة التي تقول للناس بكل بساطة: إن ما يُراد لكم ليس التنمية، بل الاستعمار. ليس الاستثمار، بل النهب. ليس المساعدة، بل الاستعباد. وهذه الرواية يجب أن تُروى بلغة الشارع لا بلغة النخب، وبالصورة والصوت والفيديو، وبالقصة التي تصل إلى القلب قبل العقل.
والوعي الجيوسياسي هو سلاحٌ أقوى في هذه المعركة؛ فحين يعرف المواطن البسيط في أبين والضالع ويافع أهميةَ باب المندب، ويدرك أن القوات الأجنبية التي ترابط على مقربةٍ منه لا تحمي ممرًّا مائيًّا فحسب، بل تحمي مصالح دولٍ عظمى على حساب سيادته، وحين يدرك الفلاح في سقطرى أن جزيرته ليست مجرد أرضٍ خضراء، بل مفتاحٌ من مفاتيح التجارة العالمية الذي تتنازع عليه الأمم، وحين يفهم العامل في المهرة أن ميناءها يُراد له أن يكون قاعدةً عسكريةً مقنَّعةً لا مرفأً للتنمية، وحين يستوعب الشاب في شبوة وحضرموت أن حقول النفط والغاز ليست مجرد آبارٍ تضخ المال، بل أوراق قوة سياسية قد تقلب موازين المعركة والعبث الحاصل.
ولأن المعركة معركة وعي في المقام الأول، فإن سلاح الخريطة هو أحد أمضى الأسلحة في هذه المواجهة. إن إنتاج خرائط مبسطة، وإنفوجرافيك بلغة الشارع، تشرح للمواطن ثلاثة أسئلة وجودية: ما هي ثروتك؟ أين تقع؟ من الذي يسعى للسيطرة عليها ولماذا؟ وأين توجد القوات الأجنبية التي تحرس هذا السطو؟، هو عملٌ جوهريٌّ ينبغي أن يُعمَّم في المدارس والمساجد والمنتديات ووسائل التواصل الاجتماعي.