مداد العاصمة



النكف القبلي بختمٍ حو.ثي: عندما تتحول الجبهة إلى إجازة ذهاب وعودة

الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - 12:29 ص

النكف القبلي بختمٍ حو.ثي: عندما تتحول الجبهة إلى إجازة ذهاب وعودة

صوت العاصمة/ بقلم / محمد علي رشيد النعماني



“إذا كانت نقاط العدو تمنح تصاريح المرور لخصومها، فأي حرب هذه التي تُدار وكأنها مكتب سفريات؟”

ليست المشكلة أن يذهب مقاتل إلى إجازة، فالمقاتلون بشر، والبيوت تشتاق إلى أبنائها كما تشتاق الجبهات إلى رجالها. المشكلة تبدأ حين تكون الإجازة في مناطق يسيطر عليها الخصم، ثم تكون العودة إلى “المطارح” عبر نقاطه وبموافقته، ليُطلب من الناس بعد ذلك أن يصدقوا أن ما يجري فصل من فصول المقاومة، لا مشهداً من مسرحية إدارية مكتملة الأركان.
بحسب فيديو متداول، دعا الشيخ حمد بن فدغم، صاحب النكف والخطاب القبلي المناهض للحوثيين، القبائل التي كانت قد عادت إلى ديارها الواقعة تحت سيطرة الجماعة إلى الالتحاق مجدداً بمطارح الريان. غير أن المفارقة التي تكاد تهزم المنطق قبل أن تهزم السياسة، أن طريق العودة يمر عبر نقاط الحوثيين أنفسهم، وكأن الشيخ يطمئنهم بأن العبور مسموح وآمن. هكذا، وببساطة تُربك أبسط قواعد الصراع، يصبح الحوثي عدواً في الخطاب، وحارس بوابة في الواقع.
ليس ظهور الشيخ فدغم في هذا الفيديو، ولا دعوته إلى العودة إلى مطارح الريان، مجرد تفصيل عابر أو خطأ في إدارة الحشد، بل هو وثيقة سياسية مصغرة تختزل جانباً واسعاً من المأساة اليمنية، حين تتحول الجبهة إلى دوام موسمي، والقبيلة إلى ورقة ضغط، والحرب إلى ملف يُدار بالتصاريح أكثر مما يُدار بالقرارات.
أول ما يكشفه هذا المشهد هو التناقض بين الخطاب والممارسة. كيف يستقيم خطاب “النكف” مع عبور آمن عبر نقاط الخصم؟ إما أن هناك مستوى من التنسيق يجعل الحديث عن “العدو” مجرد ديكور إعلامي، وإما أن الحوثيين لا يرون في العائدين تهديداً حقيقياً، ولذلك يفتحون لهم الطريق بلا خشية. وفي كلتا الحالتين، لا يكون المتضرر الأول سوى معنى المواجهة ذاته.
حتى الحروب الفاشلة تحتفظ عادة بحد أدنى من منطقها، جبهات مغلقة، وطرق مقطوعة، وعدو يحاول منع خصمه من الحركة. أما أن يتحول الخصم إلى موظف يمنح تصاريح المرور، فذلك لم يعد منطق حرب، بل نكتة مضحكة مبكية. نقطة تفتيش حوثية تسأل القادم: من أين؟ وإلى أين؟ فيجيب: من الجبهة ضدكم، وإلى قريتي لأقضي إجازة مع الأهل. فيأتيه الرد: تفضل… رحلة موفقة، ولا تنس العودة إلى الجبهة بعد انتهاء الإجازة.
غير أن السخرية هنا ليست سوى القشرة الخارجية لمشهد أكثر عمقاً. فالقبيلة، التي يُفترض أن تُستدعى حين تعجز الدولة وتفشل المؤسسات، تتحول إلى ورقة سياسية قابلة للاستخدام وإعادة الاستخدام. تُحشد عندما تحتاج السلطة أو القوى الإقليمية إلى صورة ضغط، ثم تُعاد إلى ديارها عندما تُفتح قنوات التفاهم. وهكذا يصبح ابن القبيلة مقاتلاً عند الحاجة، ومسافراً آمناً عند التسوية، ورقماً في دفاتر الوسطاء عند تقاسم المصالح.
ولم تعد مطارح الريان، في هذا السياق، مجرد تجمع قبلي، بل غدت رمزاً لاقتصاد سياسي كامل، جبهات تُفتح وتُغلق وفق حسابات التمويل، وخطابات ترتفع بقدر ما يرتفع الضجيج الإعلامي. لا حسم عسكري، ولا سلام سياسي، بل منطقة رمادية تسمح للجميع بالبقاء داخل اللعبة، الحوثي يحتفظ بالأرض والنقاط، والسلطة الشرعية تحتفظ بملف “المقاومة”، والقبيلة تؤدي دور الحشد، فيما يراقب الإقليم المشهد كما لو كان يدير ميزانيةً لا معركة.
وفي الإطار الأوسع، لم تعد الحرب في اليمن تُدار بمنطق الانتصار والهزيمة، بقدر ما تُدار بمنطق التفاوض وإدارة التوازنات. ولهذا تبدو مثل هذه المشاهد مفهومة، وإن ظلت شديدة العبث. فعندما تتحول الجبهات إلى أدوات ضغط لا ساحات حسم، تصبح التحشيدات رسائل سياسية أكثر منها عمليات عسكرية، وتصبح نقاط التفتيش وسيلة لإيصال الرسائل لا لمنعها.
من الرابح في هذه المعادلة؟ بالتأكيد ليس المقاتل الذي يُطلب منه أن يقطع إجازته ليعود إلى متراس يمر إليه عبر نقطة عدوه. وليس المواطن الذي يسمع صباحاً خطابات النكف، ثم يسمع مساءً تطمينات المرور الآمن. الرابح الحقيقي هو اقتصاد الحرب، وشبكات الوساطة، وسلطات الأمر الواقع التي أتقنت تحويل كل شيء إلى تصاريح ورسوم وتفاهمات صغيرة. الرابح هو الفوضى المنظمة، تلك التي لا تسمح بانتصار أحد، ولا بهزيمة أحد، لكنها تضمن استمرار الجميع.
أما الخاسر الأكبر، فهو فكرة الدولة نفسها. فالدولة لا تُبنى بمقاتلين يعبرون إلى جبهاتهم بإذن من خصومهم، ولا بشرعية تُدار كوكالة سفر قبلية. الدولة تُبنى بقرار سيادي واحد، وسلاح واحد، وخط فاصل واضح بين العدو والصديق. وحين يختفي هذا الخط، لا يبقى وطن بالمعنى السياسي، بل شبكة معقدة من المصالح المتقاطعة، تتحدث جميع اللغات، لغة الحرب حيناً، ولغة الهدنة حيناً، ولغة الإجازات دائماً.
قد يرى البعض أن هذه مجرد تفاصيل صغيرة، لكن السياسة كثيراً ما تكشف حقيقتها في التفاصيل لا في الخطب الرنانة. فعندما يعبر المحتشدون ضد الحوثيين من نقاط الحوثيين أنفسهم، فإن الذي يعبر معهم ليس أفراداً فقط، بل سردية كاملة تفقد تماسكها ومعناها. وعندما يصبح الوصول إلى الجبهة أسهل من الوصول إلى الدولة، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يقاتل من؟ بل: من يخدع من؟
وفي النهاية، إذا كان “النكف” يُستدعى ثم يُمنح إجازة، ويغيب ثم يعود بختم من الخصم، فليس النكف هو الذي انكسر، بل الرواية التي حاولت تسويقه. وحين تتحول الحرب إلى قطاع يلتزم بمواعيد الإجازات، ويحترم نقاط التفتيش، ويؤمن بحق المقاتل في السياحة الداخلية تحت سقف عدوه، فلا يبقى أمام القارئ سوى ابتسامة ساخرة وهو يردد: لقد نجحتم أخيراً في تحويل العبث إلى مؤسسة، وتصريح المرور إلى إنجاز، والإجازة إلى المشهد الأكثر إثارة من المعركة نفسها



الأكثر زيارة


انتقالي الضالع يدين الهجوم الإرهـ,ـابي للمليشـ,ـيا الحـ,ـوثي.

الإثنين/19/أكتوبر/2026 - 10:58 م

تُعرب الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بمحافظة الضالع عن إدانتها الشديدة واستنكارها البالغ للجريمة الغادرة التي ارتكبتها المل


نهاية دموية لرأس الاستخبارات الحو.ثية: تصفية "الخيواني" في ض.

الإثنين/19/أكتوبر/2026 - 10:10 م

​في ضربة استخباراتية هي الأوجع لجماعة الحو.ثي، تم تصفية عبدالحكيم الخيواني المنتحل صفة رئيس جهاز الأمن والمخابرات الحو.ثي، ليلة الخميس 9 أكتوبر. ​ وجا


رشاد العليمي وعبد الملك الحو.ثي.. وجهان لعملة واحدة ومجرما ح.

الإثنين/19/أكتوبر/2026 - 08:41 م

أقولها بكل وضوح ودون مجاملة، ما يتعرض له الجنوب اليوم ليس حرباً مع الحوثي وحده، بل حرب شمالية شاملة بكل أطيافها. يجب على أبناء الجنوب أن يدركوا هذه ال


عاجل | انف.جار يهز مديرية شقرة في أبين .

الثلاثاء/20/أكتوبر/2026 - 12:50 م

دوّى انفجار، اليوم، في مديرية شقرة بمحافظة أبين، وسط غموض بشأن طبيعة الانفجار وأسبابه. ولم ترد حتى الآن معلومات مؤكدة حول موقع الانفجار أو حجم الأضرار