دماء الشهداء أطهر من أن تُدنس بصحف الوهم: لماذا تُعاد "صحيفة الجمهورية" إلى عدن؟
الأحد - 23 أغسطس 2026 - 12:35 ص
صوت العاصمة/ كتب / أبو الليث الحُميدي
إحدى عشرة سنة كاملة من الموت السريري والانذثار التام لصحيفة "الجمهورية" كانت كفيلة بأن تدفنها في مزابل التاريخ، حيث مكانها الأبدي كشاهد زور ومخلب قط لحقبة الاستبداد والهيمنة وطمس الهوية. لكن ها هي أدوات العمالة وأبواق
شرعية الفنادق تطل علينا اليوم من خلف الحدود، لتعيد نفخ الروح في هذا الورق الميت وتزرعه قسراً في قلب العاصمة عدن، متجاوزةً دماء شهدائنا الأبرار وجراح أبطالنا الميامين، وكأن صرخات الأحرار وعذابات شعب بأكمله ليست سوى صدى مزعج في عالم مصالحهم الدنيئة وصفقاتهم المشبوهة التي لا تهدف إلا لشرعنة الاحتلال المبطن وإعادة تدوير مخلفات الماضي البائس.
أيها العابثون بتضحيات الجسام، إن دماء الشهداء الطاهرة التي روت تراب الجنوب لتطهره من دنس الاحتلال اليمني واضطهاده الممنهج هي أطهر وأعظم من أن تُدنس بصحف الوهم وأبواق الفشل المعتادة. إن جراح الأبطال الذين بذلوا أرواحهم وعافيتهم فداءً لهذه الأرض الطيبة ليست مطية رخيصة تركبونها لتحقيق أمجاد وهمية أو لترضية أسيادكم في عواصم الإقليم، وليست سلعة تباع وتشترى في سوق النخاسة السياسية، بل هي أمانة مقدسة وعقد تاريخي يطارد كل خائن ومتخاذل ومتاجر بدماء الأبرياء.
وهنا يجب أن يُوجه الخطاب صريحاً وبلا مساحيق تجميل ولا دبلوماسية خجولة إلى تلك القيادات من أبناء جلدتنا، المنضوين تحت عباءة الولاء للخارج وتحديداً الوصاية السعودية؛ فليعلم هؤلاء جيداً أن الكراسي العفنة التي يجلسون عليها، والمناصب الهزيلة التي تبؤوها في غفلة من الزمن، ما كانت لتتحقق لهم لولا دماء الشهداء الأطهار، وتضحيات الجرحى الصامدين، والفرض الميداني للسيطرة بسواعد أبطال القوات المسلحة الجنوبية وصلابة شعب لا يقبل الهوان. لقد رضيتم لأنفسكم أن تكونوا أدوات رخيصة ومخالب قط لتنفيذ أجندات خبيثة تسعى لفرض رموز دولة انتهت بلا رجعة في صيف 2015، دولة محاها الشعب الجنوبي من ذاكرته للأبد ويمقت اليوم حتى رائحتها، لتثبتوا أنكم لستم سوى دمىً متحركة تخدم أعداء أهلها ووطنها من أجل فتات موائد الخارج.
وفي الوقت الذي يتقاسم فيه هؤلاء السفهاء كعكة السلطة الوهمية ويتبادلون الأنخاب ومظاهر الرفاهية في أبراجهم العاجية وفنادق الخارج الفارهة، يكتوي المواطن الجنوبي بنيران جحيم لا يطاق؛ فتتوالى أزمات انقطاعات الكهرباء المدمرة التي تحرق الأعصاب في صيف عدن القاسي وتترك البيوت والمستشفيات في ظلام دامس، ويرافقها شح غامض وانعدام تام لأسطوانة الغاز التي باتت حلمًا عزيز المنال للعائلة البسيطة، فضلاً عن الشهور الطوال التي تمضي بلا رواتب تذكر، ليقف الأب المقهور عاجزاً عن توفير رغيف الخبز لأطفاله وسط غلاء أسود ينهش العظم والروح معاً. أين هذه المعاناة المريرة من أولويات أجنداتكم العفنة؟ أم أن وجع الناس ومآسيهم اليومية ليست سوى مادة رخيصة لتلميع شخصيات شرعية الفنادق والبحث عن بقايا وجاهة زائفة على حساب أرواح الجياع والمحرومين؟
إن محاولة إعادة فرض مسميات الوحدة المشؤومة وسياسات الإذلال والتهميش عبر هذه المهازل الإعلامية المفضوحة ليست سوى صفقة عبثية محكوم عليها بالفشل الذاحر قبل أن تبدأ.
فليعلم الجميع، القريب والبعيد، أن الشارع الجنوبي الذي أطاح بأساطير الاحتلال وقهر المستحيل لن يخدعنه طلاء واجهات قديمة بأحبار جديدة، وسيبقى الحبر الذي تسكبونه لعنة تطارد عروشكم المتهالكة، ولن يغير من حقيقة أنكم مجرد عابثين زائلين أمام صلابة شعب عظيم لا ينسى، لا يغفر، ولا يساوم على كرامته وحريته واستعادة دولته مهما بلغت حجم المؤامرات وتكاليف الخيانة.