مداد العاصمة



مستقبل الحل في اليمن.. هل تعود السياسة إلى “جادة الصواب” وتقر بحق الدولتين؟

الخميس - 29 يناير 2026 - 01:16 ص

مستقبل الحل في اليمن.. هل تعود السياسة إلى “جادة الصواب” وتقر بحق الدولتين؟

صوت العاصمة/ متابعات



منذ عقود، واليمن يقف في قلب واحدة من أعقد الأزمات السياسية في المنطقة، أزمة لم تعد محصورة في صراع على السلطة أو في مواجهة عسكرية مفتوحة، بل تحولت إلى حالة انسداد تاريخي طويل، تتداخل فيها الإخفاقات السياسية المتراكمة مع التحولات الإقليمية والتجاذبات الدولية.

وبينما تتبدل موازين القوى على الأرض، وتتعاقب المبادرات والوساطات، يبقى السؤال الجوهري معلقًا، لماذا يبدو الوصول إلى تسوية شاملة ومستقرة أمرًا بالغ الصعوبة، رغم وضوح حجم الكلفة الإنسانية والسياسية التي يدفعها اليمنيون؟.

اليوم، ومع تراجع منسوب المواجهات المباشرة أحيانًا وعودتها بأشكال أخرى، يعود النقاش حول “مستقبل الحل” إلى الواجهة، لا بوصفه ملفًا تقنيًا يتعلق بالترتيبات السياسية فقط، بل كسؤال أعمق عن طبيعة الدولة، وحدود الممكن السياسي، ومعنى التوافق، وحدود الواقعية في إدارة الصراعات المعقدة.

في هذا السياق، تطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت السياسة في اليمن قادرة فعلًا على العودة إلى مسار عقلاني يعترف بالوقائع كما هي، ويبحث عن حلول قابلة للحياة، أم أن البلاد ما تزال أسيرة مقاربات تجاوزها الزمن وأثبتت التجربة عجزها عن إنتاج استقرار حقيقي.

وتشهد الحالة اليمنية حالة من الاستعصاء السياسي الذي تجاوز في زمنه أربعة عقود من الفشل المتراكم، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول الأسباب الجوهرية التي تمنع الوصول إلى تسوية شاملة ونهائية.

وفي سياق هذا التشخيص، يقدم الدكتور صالح طاهر سعيد، أستاذ الفلسفة السياسية المساعد بكلية الآداب في جامعة عدن، رؤية فلسفية وسياسية معمقة في حديث خاص لموقع “180 تحقيقات”، حيث يرى أن أزمة الجمود الراهنة لا تكمن فقط في الصراعات العسكرية الميدانية، بل في خروج الفعل السياسي عن مداراته الواقعية، وتحليقه بعيداً عن المداميك الحقيقية التي يتحرك وفقها الواقع على الأرض.

وبحسب رؤيته، فإن المشكلة الأساسية تتمثل في “سطوة السياسة وتعسفها” ضد الواقع، والأهم من ذلك، انفصالها التام عن ثوابت الحق التي ينبغي أن تستند إليها أي عملية بناء سياسي شرعي.

الوحدة الاندماجية.. من الهروب السياسي إلى الأزمات المركبة

ويعود الدكتور صالح طاهر سعيد بجذور الأزمة إلى ما قبل مايو 1990، حيث كانت الأنظمة السياسية في كل من الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية تمارس سطوة وتعسفاً ضد تطلعات الشعبين. وعندما بدأت الضغوط الشعبية تطالب بتغيير حقيقي، اختار الحكام الهروب إلى الأمام عبر إعلان “الوحدة الاندماجية” في خطوة وصفها بأنها غير مشروعة لكونها لم تخضع لاستفتاء شعبي حر، هذا الهروب السياسي، بدلاً من أن يكون حلاً، تحول إلى مدخل لأزمات مركبة زادت الأوضاع تعقيداً؛ فبعد ستة أشهر فقط من إعلان الوحدة، بدأت ملامح الانهيار تلوح في الأفق، وظهرت أزمة شاملة عصفت بجغرافيا الدولتين وأدت إلى تآكل النسيج الاجتماعي، مما مهد الطريق لسلسلة من الحروب المدمرة التي لا يزال اليمن يعاني تبعاتها حتى اليوم.

من الغزو الشمالي إلى شرعية التراضي.. قراءة في الموقف الدولي

يسلط الدكتور صالح الضوء على المنعطف الخطير في عام 1994، حين شنت القوى في صنعاء غزوها الأول للجنوب، ضاربة عرض الحائط بكافة القرارات الدولية والإقليمية.

ويشير هنا إلى قراري مجلس الأمن رقم 924 و931، اللذين نصا صراحة على عدم جواز فرض الوحدة بالقوة العسكرية. كما يستحضر المواقف السياسية الواضحة التي صدرت عن قمة “أبها” لمجلس التعاون الخليجي، وبيانات الخارجية المصرية، والجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والتي أجمعت كلها على حقيقة سياسية ثابتة وهي أن “بقاء الوحدة من عدمها مرهون بتراضي طرفيها”، إلا أن نظام صنعاء اختار تجاهل هذه الإرادة الدولية والإقليمية، وفرض واقعاً وصفه الدكتور صالح بـ “الاحتلال الشمالي للجنوب”، وهو ما أسس لشرخ وطني لم يندمل، بل تعمق مع تكرار محاولات الغزو، وآخرها تحالف نظام صالح مع جماعة الحوثي المدعومة من إيران في عام 2015.

المقاومة الجنوبية والمجلس الانتقالي.. صياغة واقع جديد

في مواجهة هذا الغزو الثاني، انتقل الشعب في الجنوب إلى مرحلة المقاومة المسلحة الشاملة بدعم من التحالف العربي، وتمكن من تحرير الأرض الجنوبية بالكامل، بما في ذلك الجيوب العسكرية التي كانت متبقية في مناطق حضرموت والمهرة، هذا التحول الميداني رافقه تحرك سياسي موازٍ قاده المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أصدر وثيقة البيان السياسي والاعلان الدستوري، محدداً مرحلة انتقالية مدتها سنتان للحوار السياسي، بهدف استعادة دولة الجنوب العربي على حدود ما قبل عام 1990 المعترف بها دولياً، ورغم وضوح هذه الخارطة الوطنية، إلا أن الدكتور صالح يرى أن “تطورات في الموقف الإقليمي” تدخلت لتعيق هذا المسار، مما أدى إلى عودة حالة الجمود السياسي لتخيم من جديد على المشهدين في الشمال والجنوب، وكأن السياسة الدولية ترفض الاعتراف بالحقائق التي فُرضت على الأرض بدماء وتضحيات المقاومة.

الجمود السياسي.. رفض الإقرار بالواقع الجغرافي والسياسي

يخلص الدكتور صالح طاهر سعيد في تحليله لـ “180 تحقيقات” إلى أن جوهر الأزمة يكمن في إصرار الفاعلين السياسيين على المستويات المحلية والإقليمية والدولية على تجاهل الأسس الحقة التي يقوم عليها الواقع في المنطقة، وإن الرفض المستمر للاعتراف بأن الوحدة المعلنة عام 1990 قد فشلت فعلياً، وأنها كانت عقداً بين دولتين مستقلتين، هو السبب الرئيس لاستمرار دوامة الحروب والأزمات.

وبحسب رؤيته الفلسفية السياسية، فإن الحل لن يكون ممكناً طالما بقيت السياسة بعيدة عن “جادة الصواب”، وطالما استمر الإصرار على فرض قوالب سياسية أثبتت التجربة فشلها ودمويتها، وإن الإقرار بحق العودة إلى وضع الدولتين كما كانتا قبل عام 1990 ليس مجرد مطلب سياسي، بل هو تعبير عن “إرادة الحق” والواقعية السياسية التي بدونها سيبقى اليمن عالقاً في نفق الجمود المظلم.

تبدو الأزمة اليمنية اليوم أبعد من كونها خلافًا على صيغ حكم أو ترتيبات انتقالية، وأقرب إلى اختبار عميق لقدرة السياسة نفسها على استعادة معناها ووظيفتها الأساسية، إدارة التعقيد بدل الهروب منه، والاعتراف بالوقائع بدل القفز فوقها.

وبين تعدد الرؤى وتضارب المشاريع، يظل الثابت الوحيد هو أن استمرار الجمود لا يعني إلا مزيدًا من الاستنزاف للإنسان والمكان، ومزيدًا من تآكل فرص الاستقرار على المدى الطويل.



الأكثر زيارة


صادم.. السعودية تتراجع عن قرار حل المجلس الانتقالي وسط ترتيب.

الأربعاء/28/يناير/2026 - 10:05 م

كشفت مصادر سياسية مطلعة عن تعرض السعودية لضغوط أمريكية مكثفة دفعتها إلى تعديل مقاربتها في ملف جنوب اليمن، ووقف خطط كانت تستهدف تفكيك قوات المجلس الانت


عاجل | وصول وفد رفيع المستوى إلى عدن وسط إجراءات أمنية مشددة.

الأربعاء/28/يناير/2026 - 11:25 ص

وصل، قبل قليل، إلى مطار عدن الدولي وفد رفيع المستوى يضم مسؤولين من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة


اي حوار جنوبي .. إختيار ممثليه سرا من قبل الحاكم العسكري الس.

الأربعاء/28/يناير/2026 - 01:11 ص

شعب الجنوب وقضيته تتعرض لأخطر مؤامرة في التاريخ تفوق كل المؤامرات السابقة منذ إعلان الوحدة اليمنية عام ١٩٩٠ م لطمس هويته وتاريخه والغاء اسم دولة الجنو


عاجل : انفجـ.ـار عنيف يهـ.ـز مدينة الضالع ومصادر تكشف الأسبا.

الأربعاء/28/يناير/2026 - 11:19 م

هز انفجار عنيف سمع دوية في مناطق واسعة من محافظة الضالع مساء اليوم الأربعاء. وبحسب مصادر محلية فان الانفجار ناتج عن قصف لمليشيا الحوثي بصواريخ الكاتيو