تقارير



مليونية الثبات والقرار.. الشارع يعيد رسم المشهد السياسي في الجنوب

الجمعة - 27 فبراير 2026 - 12:48 ص

مليونية الثبات والقرار.. الشارع يعيد رسم المشهد السياسي في الجنوب

صوت العاصمة/ تقرير/ مريم بارحمة




تبلغ الأزمات السياسية ذروتها فتفقد البيانات طابعها التقليدي كنصوص رسمية، لتتحول إلى أدوات ضغط ورسائل استراتيجية تعكس طبيعة الصراع وموازين القوى القائمة. وفي هذا السياق، جاءت دعوة المجلس الانتقالي الجنوبي للاحتشاد الجماهيري المليوني مساء الجمعة 27 فبراير 2026 في ساحة العروض بالعاصمة عدن، بوصفها حدثًا يتجاوز إطار الفعالية الشعبية، ليأخذ أبعادًا سياسية عميقة ترتبط بمستقبل قضية الجنوب ومسار السلطة في الجنوب.
فالدعوة لم تأتِ في فراغ سياسي، بل جاءت عقب سلسلة تطورات متسارعة شملت إغلاق مقرات مؤسسات المجلس الانتقالي، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية، وأحداث العنف التي شهدتها منطقة معاشيق، إضافة إلى توترات أمنية متزامنة مع الكشف عن خلية يُشتبه ارتباطها بأطراف معادية داخل العاصمة عدن.
وبين مشهد الاحتشاد المتوقع، والتصعيد السياسي المتبادل، تبرز أسئلة جوهرية:
هل تمثل هذه المليونية استفتاءً شعبيًا جديدًا على الواقع السياسي؟
أم أنها بداية مرحلة تصعيد قد تعيد تشكيل معادلة السلطة في الجنوب؟





-من الخلاف السياسي إلى المواجهة المفتوحة

بدأت ملامح الأزمة الحالية تتبلور مع إغلاق مقرات الجمعية العمومية والأمانة العامة وهيئة الشؤون الخارجية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في عدن، وهي خطوة اعتبرها المجلس استهدافًا مباشرًا لمؤسساته السياسية ومحاولة لإضعاف حضوره في المشهد العام.
وترى قيادات المجلس أن الإجراءات لم تكن ذات طابع إداري أو أمني فقط، بل تحمل دلالات سياسية مرتبطة بمحاولة إعادة ضبط ميزان النفوذ داخل العاصمة عدن، خاصة في ظل التباينات المتزايدة بين المجلس والحكومة المنبثقة عن مجلس القيادة الرئاسي.
في المقابل، يقرأ خصوم المجلس هذه التحركات ضمن مسار إعادة تنظيم المؤسسات الرسمية، ما يعكس صراعًا أعمق حول سؤال الشرعية:
من يمتلك التأثير الحقيقي على الأرض؟ السلطة المعترف بها دوليًا أم القوة السياسية ذات الحاضنة الشعبية المحلية؟
هذا السؤال أصبح محور الصراع السياسي الحالي، وأحد الأسباب الرئيسية وراء انتقال الأزمة من مستوى الخلاف السياسي إلى حالة مواجهة سياسية مفتوحة.





-بيانات محافظات الجنوب اصطفاف سياسي يتجاوز الجغرافيا

ما ميّز الدعوة الحالية ليس البيان المركزي فقط، بل موجة الاستجابة الواسعة من القيادات المحلية في محافظات الجنوب.
ففي الضالع، لحج، شبوة، أبين، والعاصمة عدن، صدرت بيانات متزامنة أعلنت النفير العام والمشاركة الجماهيرية، في مشهد يعكس تعبئة سياسية منظمة وقدرة واضحة على تحريك القواعد الشعبية بسرعة.
البيانات حملت مضامين سياسية مشتركة أبرزها:
رفض الإجراءات ضد مؤسسات المجلس الانتقالي، والمطالبة بالتحقيق في أحداث معاشيق، والتأكيد على حق الجنوبيين في إدارة شؤونهم، ورفض أي وجود سياسي لا يستند إلى قبول شعبي.
هذا الاصطفاف لم يكن مجرد دعوة للحشد، بل يمثل انتقالًا في الخطاب السياسي من الاحتجاج إلى إعادة تعريف العلاقة مع السلطة القائمة.





-النقابات تدخل المشهد توسيع قاعدة التعبئة الشعبية

أحد التطورات اللافتة تمثل في إعلان الاتحاد العام لنقابات عمال الجنوب مشاركته ودعوته الرسمية لكافة النقابات والكوادر العمالية للمشاركة في مليونية "الثبات والقرار".
ويعكس هذا الإعلان انتقال الفعالية من إطارها السياسي الحزبي إلى مساحة اجتماعية أوسع تشمل الفئات العمالية والنقابية، وهو ما يمنح الاحتشاد بعدًا جماهيريًا أشمل.
وأكد الاتحاد أن المشاركة تمثل "محطة نضالية لتجديد العهد للشهداء وتجسيد وحدة الصف الجنوبي"، مشددًا على حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم واستعادة دولتهم، مع الدعوة إلى الالتزام بالطابع السلمي والحضاري.
دخول النقابات على خط الحشد يعكس اتساع دائرة التأييد، ويحوّل الفعالية إلى حدث مجتمعي متعدد المستويات، وليس مجرد نشاط سياسي تقليدي.




-أحداث معاشيق الشرارة التي أعادت الشارع إلى الواجهة

يرى مراقبون ان حادثة إطلاق النار على متظاهرين قرب قصر معاشيق، تُعد نقطة تحول مركزية في المشهد، خاصة بعد سقوط الشهيد عبدالسلام جبران الشبحي وإصابة عدد من المحتجين. وسياسيًا، تحولت الحادثة إلى رمز تعبوي، حيث جرى تقديمها باعتبارها دليلًا على تصاعد الاحتقان السياسي.
وتكمن خطورة الحدث في ثلاثة أبعاد رئيسية:
البعد الرمزي أعادت للأذهان صدامات سياسية سابقة في عدن، والبعد الشعبي دفعت قطاعات جديدة للنزول إلى الشارع، بينما البعد السياسي وفرت مبررًا قويًا لتصعيد الخطاب السياسي.
ومنذ تلك الحادثة، بدا واضحًا أن الشارع الجنوبي عاد ليصبح فاعلًا رئيسيًا في تحديد مسار الأزمة.




-البعد الأمني توقيف خلية مرتبطة بالحوثيين

بالتزامن مع التصعيد السياسي، شهدت عدن تطورًا أمنيًا لافتًا تمثل في القبض على أشخاص يُشتبه ارتباطهم بجماعة الحوثي ضمن طاقم حراسة وزير الدفاع العقيلي.
وأضفت هذه الحادثة بعدًا أمنيًا على الأزمة السياسية، إذ ربطت مصادر أمنية بينها وبين محاولات زعزعة الاستقرار الداخلي.
ويرى محللون سياسيون أن توقيت الكشف عن الخلية عزز خطاب المجلس الانتقالي القائم على أن الجنوب يواجه تهديدات مركبة سياسية وأمنية في آن واحد، ما رفع مستوى التعبئة الجماهيرية.




-المليونية كأداة سياسية

ويرى سياسيون أن المليونيات ليست في السياق الجنوبي مجرد تجمعات شعبية، بل غالبًا ما تُستخدم لإعادة إنتاج الشرعية السياسية.
ومن خلال تحليل الدعوة يمكن قراءة عدة رسائل: رسالة داخلية تبرز في
إثبات امتلاك قاعدة جماهيرية واسعة قادرة على الحشد، ورسالة للحكومة: التأكيد أن أي قرارات تمس مؤسسات المجلس قد تواجه برد شعبي واسع.
رسالة إقليمية ودولية
إعادة طرح قضية الجنوب كملف سياسي حاضر وليس مؤجلًا.




-القيادة السياسية بين الكاريزما والتحدي

برز اسم رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي بقوة في الخطاب التعبوي، خاصة بعد حادثة إنزال صورته من مقر الجمعية العمومية، والتي اعتُبرت محاولة استفزاز سياسي.
كما ظهر دعم واضح من قيادات عسكرية وسياسية جنوبية، أبرزهم نائب رئيس المجلس أبو زرعة المحرمي، في مؤشر على تماسك القيادة في مواجهة الضغوط.
هذا التماسك ساعد على الانتقال السريع من رد الفعل السياسي إلى الحشد الجماهيري المنظم.




-الجنوب بين مسارين الشراكة أم تقرير المصير؟

ويؤكد مراقبون أن الأزمة الحالية تعيد إحياء سؤال سياسي جوهري:
هل ما يزال مشروع الشراكة داخل الدولة اليمنية قابلًا للاستمرار؟وتشير بيانات المحافظات إلى تحول تدريجي نحو ربط أي ترتيبات مستقبلية بمسار تفاوضي يضمن حقوق الجنوب، وهو ما يراه محللون انتقالًا من خطاب المشاركة إلى خطاب تقرير المصير.




تاسعًا: المزاج الشعبي تعبئة نفسية وسياسية متصاعدة

تشير المؤشرات الميدانية إلى حالة تعبئة سياسية مدفوعة بعدة عوامل:
الشعور باستهداف المؤسسات الجنوبية، والتعاطف مع ضحايا الاحتجاجات، والمخاوف الأمنية، وتراجع الثقة بالحكومة. هذا الخليط غالبًا ما ينتج حشودًا كبيرة عندما تُطرح الفعالية بوصفها لحظة دفاع عن الهوية السياسية.





-الأبعاد الإقليمية والدولية
لا يمكن فصل التطورات في عدن عن السياق الإقليمي، إذ تمثل المدينة موقعًا استراتيجيًا على خطوط الملاحة الدولية.
أي تصعيد سياسي واسع قد يثير قلق الأطراف الإقليمية المعنية باستقرار الجنوب، خصوصًا في ظل حساسية مفاوضات السلام اليمنية، ما يجعل المليونية أيضًا رسالة ضغط غير مباشرة على الوسطاء الدوليين.





-سيناريوهات ما بعد المليونية
يرى محللون سياسيون أنه يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
تهدئة سياسية عبر فتح قنوات حوار جديدة. تصعيد تدريجي: استمرار الاحتجاجات كضغط سياسي، إعادة تشكيل المشهد: تغييرات محتملة في موازين السلطة داخل عدن.




-لماذا تُعد هذه المليونية مختلفة؟

تتميز هذه الفعالية بتزامن ثلاثة عوامل نادرًا ما تجتمع:
أزمة سياسية مباشرة مع السلطة، وحادثة أمنية حساسة، وتعبئة شعبية متعددة المحافظات والقطاعات.
وغالبًا ما يسبق هذا التلاقي تحولات سياسية كبيرة.




-بين الشارع والسياسة من يقود من؟

يرى مراقبون أن العلاقة بين القيادة والشارع أصبحت تبادلية؛ فالتصعيد السياسي يولّد تعبئة جماهيرية، والتعبئة تمنح القيادة شرعية إضافية للاستمرار.
وهذه المعادلة تجعل من المليونية اختبارًا حقيقيًا لقوة الطرفين.




-لحظة اختبار الإرادات

تبدو مليونية الثبات والقرار أكثر من مجرد فعالية احتجاجية؛ إنها لحظة اختبار مزدوج،
اختبار لقدرة المجلس الانتقالي على تحويل الدعم الشعبي إلى قوة سياسية مؤثرة.
واختبار لقدرة السلطة القائمة على إدارة الخلاف دون الانزلاق إلى صدام أوسع.
وفي مدينة اعتادت أن تكون مرآة للتحولات الكبرى في الجنوب، قد لا يكون مساء الجمعة مجرد موعد احتشاد، بل محطة فاصلة قد تحدد شكل المرحلة القادمة في الجنوب وربما في المشهد اليمني بأكمله.
فحين يتحرك الشارع، لا تتغير موازين السياسة فقط، بل يعاد تعريفها من جديد



الأكثر زيارة


عدن على موعد مع مليونية الثبات الجنوبي.. رسالة شعب لا ينكسر.

الخميس/26/فبراير/2026 - 01:49 ص

تشهد العاصمة الجنوبية عدن حالة من الاستنفار الشعبي والسياسي، مع اقتراب موعد الفعالية الجماهيرية الكبرى التي دعا إليها المجلس الانتقالي الجنوبي مساء ال


اندلاع اشتباكات عنيفة بين ألوية عسكرية في أبين.

الخميس/26/فبراير/2026 - 08:45 م

اندلعت اشتباكات عنيفة مساء اليوم في محافظة أبين بين قوات اللواء الثاني دعم وإسناد بقيادة العميد المجعلي، وقوات العميد الميسري، عقب قرار تعيين الأخير ب


تحليل: ملامح مرحلة سياسية جديدة في جنوب اليمن.

الخميس/26/فبراير/2026 - 03:44 ص

رأى محلل الشؤون الجنوبية أحمد المشهور، في تحليل نشره عبر منصة CNN International Now بتاريخ 24 فبراير 2026، أن جنوب اليمن يدخل ما وصفه بـ"مرحلة سياسية


مراكز بانوراما لأشعة الوجه والفكين يختتم دورة تحليل كشافات ا.

الخميس/26/فبراير/2026 - 03:40 ص

تشهد مراكز بانوراما لأشعة الوجه والفكين حراكًا علميًا متصاعدًا في مجال تدريب أطباء الأسنان، حيث اختتمت مؤخرًا دورة تحليل كشافات السيفالومتريك، التي أُ