الكهرباء في عدن .. إصلاح اقتصادي أم مخاطرة اجتماعية ؟
الثلاثاء - 02 يونيو 2026 - 05:26 م
صوت العاصمة/ كتب/ د. محمود شائف:
تتجه الحكومة اليمنية، وفق ما يتم تداوله، إلى رفع تعرفة الكهرباء تدريجياً ضمن حزمة إصلاحات اقتصادية مرتبطة بالحصول على تمويل من صندوق النقد الدولي. ورغم أن إصلاح قطاع الكهرباء يُعد هدفاً مشروعاً من حيث المبدأ، فإن المخاوف تتصاعد من انعكاسات هذه الخطوة على المواطنين في بلد يُصنَّف بين أفقر بلدان العالم وأكثرها هشاشة اقتصادياً.
ولست اقتصادياً، لكن القضية لا تحتاج إلى كثير من النظريات أو التحليلات المتخصصة لفهم جوهر المشكلة. فالإشكالية لا تكمن في مبدأ الإصلاح ذاته، بل في توقيت تطبيقه وسط ظروف استثنائية يعيشها المواطن، حيث تتآكل الرواتب بفعل انهيار العملة، وتتراجع القدرة على توفير أبسط مقومات الحياة، فيما تواصل الأسعار ارتفاعها بصورة متسارعة ودون أي مؤشرات حقيقية على كبح جماحها.
وفي ظل هذا الواقع، سيكون أصحاب الدخل المحدود أول المتضررين من القرار. فزيادة التعرفة تعني اقتطاع جزء إضافي من ميزانية الأسرة التي تكافح أصلاً لتأمين احتياجاتها الأساسية. كما أن أثرها لن يتوقف عند الفاتورة المنزلية، بل سيمتد إلى أسعار السلع والخدمات كافة، لأن المحلات التجارية والمصانع والمخابز وغيرها من الأنشطة الاقتصادية ستضيف الزيادة إلى تكاليفها التشغيلية، ما يعني موجة غلاء جديدة سيدفع المواطن ثمنها في نهاية المطاف.
ومن المخاطر المحتملة أيضاً أن يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى إضعاف النشاط الاقتصادي وإثقال كاهل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، الأمر الذي قد يحد من فرص العمل ويزيد من معدلات البطالة والفقر.
وتزداد حساسية هذا القرار في مدينة مثل عدن، حيث لا تقتصر المعاناة على تدهور الأوضاع المعيشية، بل تمتد إلى الانقطاعات الطويلة للكهرباء، خصوصاً خلال أشهر الصيف القاسية. ولذلك قد يشعر كثير من المواطنين أنهم مطالبون بدفع المزيد مقابل خدمة لا تزال دون المستوى المأمول.
إن أي إصلاح اقتصادي حقيقي ينبغي أن يبدأ بمعالجة مواطن الهدر والفساد، وتحسين كفاءة التحصيل، ومحاسبة الجهات المتخلفة عن السداد، وتطوير الخدمة ذاتها، بالتوازي مع توفير شبكات حماية اجتماعية للفئات الأشد فقراً، حتى لا تتحول كلفة الإصلاح إلى عبء يقع بالكامل على عاتق المواطنين.
فالإصلاحات الاقتصادية تُقاس في نهاية المطاف بقدرتها على تحسين حياة الناس، لا بقدرتها على تحقيق التوازنات المالية فحسب. وحين يصبح المواطن، وهو الحلقة الأضعف، أول من يدفع الثمن وآخر من يجني النتائج، فإن الإصلاح يفقد كثيراً من معناه وجدواه.
د. محمود شائف
2/ يونيو/ 2026