قراءة في دلالات السبعة القرارات
الأحد - 26 يوليو 2026 - 09:46 م
صوت العاصمة/خاص:
تحليل : د. يحيى شايف ناشر الجوبعي
أ- المقدمة :
لا تقرأ القرارات السياسية الكبرى في لحظات التحول التاريخي بوصفها إجراءات إدارية روتينية ، بل كـخطابات سلطة وتكثيفات رمزية تعيد تشكيل الفضاء العمومي ، وتفكك موازين القوى القائمة لتأسيس مشروعية جديدة.
تأتي القرارات السبعة الصادرة عن الرئيس القائد عيدروس الزبيدي لعام ٢٠٢٦م لتمثل زلازلا بنيويا في متنية الخطاب السياسي الجنوبي، ومرحلة مفصلية في انتقال المجلس الانتقالي الجنوبي العربي من حالة التعبئة الاستثنائية إلى مأسسة الدولة وتثبيت هوامش السيادة .
ب-قراءة تحليلية في دلالات السبعة القرارات .
ستحاول هذه القراءة تقديم تحليلا متواضعا لدلالات السبعة القرارات على النحو الآتي :
أولا: قراءة في دلالات القرار الأول
يعد القرار الأول الخاص بتعديل مسمى المجلس الانتقالي الجنوبي بمثابة إعادة ترسيم للجسد السياسي وفك الارتباط الهوياتي من خلال عملية التفكيك لمقولة اليمننة التي فرِضت تاريخيا كـمركزية متعدية، سعت لاحتواء الجغرافيا وتسييس الهوية.
إن إضافة كلمة (العربي) إلى المجلس الانتقالي الجنوبي تنزع الشرعية العلاماتية عن خطاب الضم والإلحاق، وتعيد الهوية إلى بنيتها الأصلية العابرة للتقسيمات الاستعمارية والإيديولوجية.
إن هذه اللفتة تحيلنا إلى مفهوم المجتمعات المتخيلة حيث لم تكن اليمننة سوى أداة هيمنة رمزية صممت لشرعنة السيطرة على الجنوب العربي وهو ما تعمل عليه اليوم قوى الوصاية والاحتلال.
الصورة هنا تعكس عملية فصل جراحي لتوأم سياسي مختلق، إذ يعيد القرار تعيين حدود الجسد الهوياتي الجنوبي في بيئته العربية الطبيعية، قاطعا الشريان الرمزي الذي تغذى منه أدبيات الاحتلال.
ثانيا : قراءة دلالات القرار الثاني :
تكمن قيمة هذا القرار في دلالته على هندسة الجسر الدبلوماسي الجنوبي بديناميكية احترافية تجسدت في تعيين رجلا بحجم السفير خالد اليماني مستشارا لهيئة الرئاسة وممثلا للرئيس عيدروس الزبيدي رئيس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية لدى الولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة .
تكمن قيمة هذا القرار في بلوغه ذروة الواقعية السياسية ( التي تجاوزت الزمن لصالح الكفاءة الدبلوماسية) بهدف الوصول إلى مراكز القرار الدولي عبر آليات تمتلك رأس مال رمزي ودبلوماسي مجربا داخل أروقة الأمم المتحدة.
وهذا يعد بمثابة تثبيت لرأس الجسر الدبلوماسي الجنوبي في عمق الجغرافيا السياسية الدولية
إن استقطاب شخصية بحجم اليماني يشبه فتح خط إمداد سياسي يحول المطالب الوطنية للجنوب العربي من شعارات تعبوية محلية إلى لغة مصالح مفهومة لدى صناع القرار في النظام الدولي.
ثالثا:قراءة في دلالات القرار (الثالث والرابع والخامس)
تكمن قيمة هذه القرارات الثلاثة فيما تحمله من دلالات تجسد إعادة الهيكلة للعصب المؤسسي للكيان السياسي وذلك من خلال ما تشكله هذه القرارات الثلاثة من دلالات مجسدة في نسقها البنيوي المتكامل الذي يشبه الدورة الدموية للجسد التنظيمي ؛ منطلقة من العقل الموجه المتمثل بهيئة الرئاسة والذي اتسعت حدقتها لتستوعب التنوع الجغرافي (للمحافظات الثمان، مع الوادي ، والتمثيل النيابي) مما يحقق الشمولية وتكامل القرار.
مرورا بالشريان التنفيذي المتمثل بالأمانة العامة؛حيث يعطي تعيين أمينا عاما ومساعده لشؤون المحافظات والمنسقيات ضخا حيويا للسياسات وتوصيلها إلى الأطراف دون اختناقات إدارية.
وصولا إلى العمود الفقري التشريعي ممثلا بالجمعية الوطنية التي تستكمل تدعيم هيئتها الرئاسية بتعيين نائبا لرئيس الجمعية مع مساعديه بهدف تفعيل الدور الرقابي وسن القوانين المؤطرة لمرحلة بناء الدولة.
يرسل هذا الترتيب المؤسسي رسالة اطمئنان للداخل المترقب بأن المجلس الانتقالي يوائم بين مرحلة الثورة وترسيخ أدوات الدولة ، محولا ثقل القرار من الفردية إلى المؤسسية المتوازنة.
رابعا:قراءة في دلالة القرارين السادس والسابع :
يمثل هذان القراران تثبيتا لثقل المركزين في كل من(عدن وحضرموت)من خلال :
تثبيت رئيس انتقالي العاصمة عدن ورئيس انتقالي حضرموت ورئيس الهيئة المساعدة لشؤون مديريات الوادي.
تكمن أهمية هذا التثبيت بما ينتج من دلالات معبرة عن تميز الفضاء السياسي في القلب النابض والرمزية السيادية لعدن ، وصونا للرئة الاقتصادية والمكانة الاستراتيجية لحضرموت بهدف إنهاء حالة السيولة التنظيمية ، وقطع الطريق على محاولات التفتيت، وتأكيد وحدة جغرافيا الوادي والصحراء والساحل.
ج- الخلاصة :
تظهر القراءة المتقاطعة حزمة استراتيجية واحدة تجمع بين القرارات السبعة: تتجسد في إنجاز عملية الانتقال من التموضع الدفاعي إلى المبادرة التأسيسية.
ولهذا يلحظ بأن هذا المنجز القراري قد نجح في الربط المحكم بين الرمز المتمثل ب(الهوية العربية) والأداة ممثلة ب(الدبلوماسية المجربة) والبنية الممثلة ب(المؤسسات التنفيذية والتشريعية)، والأرض ممثلة ب(محافظات الجنوب معنونة ب(عدن وحضرموت).
إنها هندسة سياسية متكاملة لا ترمم الماضي ، بل تبني قطعية معرفية وسياسية تؤهل الجنوب العربي لإدارة استحقاقات السيادة الوطنية وافتراض موقعه الطبيعي في الخارطة الإقليمية والدولية.