بناء الدولة يبدأ من المؤسسة .. كيف تستعيد الحكومة ثقة المواطن عبر الأداء المؤسسي؟
السبت - 15 أغسطس 2026 - 09:24 م
صوت العاصمة/خاص:
سلسلة مقالات حول القدرات المؤسسية والإصلاح والتنمية المستدامة
المقال الخامس (5-10) : كيف تستعيد الحكومة ثقة المواطن عبر الأداء المؤسسي؟
د/ علي ناصر سليمان الزامكي
استاذ الادارة المالية المشارك
مساعد نائب رئيس جامعة عدن لشؤون الطلاب
لا يطلب المواطن من مؤسسات الدولة أن تكون مثالية، لكنه يتطلع إلى أن تكون عادلة وكفؤة وتحترم وقته وكرامته ومن هنا تبدأ الثقة.
ولهذا فإن الثقة ليست مفهومًا مجردًا ولا شعارًا سياسيًا ولا حملة إعلامية يمكن إطلاقها بين حين وآخر بل هي حصيلة تراكمية لما يعيشه المواطن في كل مرة يتعامل فيها مع مؤسسة عامة فكل خدمة تُنجز بكفاءة وكل إجراء يُطبق بعدالة وكل قرار يُتخذ بشفافية يضيف لبنة جديدة في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وهنا تبرز حقيقة كثيرًا ما تغيب عن النقاش العام وهي الثقة لا تُمنح للمؤسسات بل تكتسبها المؤسسات من خلال أدائها فالمواطن لا يحكم على الدولة من خلال ما يُكتب في الخطط والاستراتيجيات وإنما من خلال ما يراه ويلمسه في حياته اليومية.
ومن هذا المنطلق فإن الأداء المؤسسي لا يقتصر على تنفيذ الإجراءات بل يمثل الوسيلة التي تتحول من خلالها قيم الدولة إلى ممارسات فالعدالة تظهر في تطبيق الأنظمة على الجميع والكفاءة تتجسد في سرعة وجودة الخدمة والنزاهة تنعكس في وضوح القرار وخضوعه للمساءلة والاحترام يتجلى في طريقة التعامل مع الإنسان قبل معاملته.
غالبًا ما تُناقش الثقة بين الدولة والمجتمع بوصفها قضية سياسية أو اجتماعية بينما هي في جانب كبير منها قضية مؤسسية فالثقة لا تتكون في الفراغ بل تنشأ عندما يلمس المواطن أن المؤسسات تؤدي وظائفها بكفاءة واستمرار وعدالة.
الأداء المؤسسي… اللغة التي يفهمها المواطن
فقد تختلف الآراء حول السياسات أو الأولويات لكن المواطن يتفق على معيار بسيط وواضح - كيف تؤدي المؤسسة عملها؟ فحين يجد أن الإجراءات مفهومة وأن الحصول على الخدمة لا يتطلب جهدًا غير مبرر وأن الموظف يتعامل معه باحترام وأن النظام يطبق على الجميع دون استثناء فإنه يشعر بأن المؤسسة تعمل لمصلحته وأن الدولة حاضرة في حياته بصورة إيجابية.
أما عندما تصبح الإجراءات معقدة أو تختلف المعاملة من شخص لآخرأو تغيب المساءلة فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن تكون معاكسة مهما كانت الخطط أو التصريحات الرسمية طموحة.
ولهذا يمكن القول إن الأداء المؤسسي هو اللغة اليومية التي تتحدث بها الدولة إلى مواطنيها فإذا كانت هذه اللغة واضحة ومنظمة وعادلة نشأت الثقة وإذا اتسمت بالتعقيد أو التناقض تراجعت الثقة تدريجيًا.
إن استعادة الثقة ليست مشروعًا إعلاميًا بل مشروع إصلاح مؤسسي يقوم على مجموعة من المرتكزات المتكاملة من أهمها:
تبسيط الإجراءات حتى تصبح الخدمات سهلة الفهم وسريعة الإنجاز.
تعزيز الشفافية بإتاحة المعلومات ووضوح معايير اتخاذ القرار.
ترسيخ المساءلة بما يضمن معالجة الأخطاء والتعلم منها.
الاستثمار في الكفاءات البشرية لأن جودة الخدمة تبدأ بمن يقدمها.
الاعتماد على قياس الأداء ورضا المستفيدين بوصفهما أدوات مستمرة للتحسين.
وعندما تعمل هذه العناصر في إطار واحد تتحول الثقة من أمنية إلى نتيجة طبيعية لأداء مؤسسي ناضج فالثقة رصيد وطني لا تقتصر أهمية الثقة على تحسين العلاقة بين المواطن والمؤسسة بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد والتنمية والاستقرار فالمجتمعات التي تثق بمؤسساتها تكون أكثر استعدادًا للتعاون مع برامج الإصلاح وأكثر التزامًا بالأنظمة وأكثر مشاركة في تحقيق المصلحة العامة.
ومن هنا فإن الثقة ليست قيمة معنوية فحسب بل هي رأس مال وطني يسهم في رفع كفاءة الدولة ويعزز فاعلية السياسات العامة ويهيئ بيئة أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة.
في بلادنا كما في كثير من الدول التي مرت بظروف استثنائية لا تقتصر الحاجة إلى إعادة بناء البنية التحتية أو تنشيط الاقتصاد بل تمتد إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة فالثقة لا تُستعاد بمرور الوقت وحده وإنما تتطلب أداءً مؤسسيًا يثبت للمواطن يومًا بعد يوم أن مؤسساته أصبحت أكثر قدرة على خدمته وأكثر التزامًا بالعدالة والكفاءة والشفافية.
إن المواطن لا يقيس نجاح برامج الإصلاح بعدد الخطط أو الوثائق الصادرة وإنما بما ينعكس على حياته اليومية ولذلك فإن كل تحسن في جودة الخدمات العامة وكل تبسيط للإجراءات وكل التزام بالمواعيد وكل استجابة للشكاوى يمثل رسالة عملية تؤكد أن الإصلاح أصبح واقعًا لا مجرد إعلان .
ولهذا فإن استعادة الثقة ينبغي أن تُدرج ضمن أهداف الإصلاح المؤسسي نفسها وأن تُقاس بمؤشرات واضحة مثل مستوى رضا المستفيدين وسرعة إنجاز الخدمات وجودة الأداء ومدى الالتزام بالشفافية والمساءلة فالثقة ليست مفهومًا مجردًا بل نتيجة يمكن تعزيزها وقياسها عندما تتوافر الإدارة القادرة والإرادة الجادة.
وعندما يصبح الأداء المؤسسي ثقافة يومية لا استجابة مؤقتة تتحول الثقة إلى رصيد يتراكم مع الزمن ويعزز الاستقرار ويدعم التنمية ويقوي العلاقة بين الدولة والمجتمع وعندها لا يشعر المواطن بأن المؤسسة تمارس سلطتها عليه بل يشعر بأنها تؤدي رسالتها من أجله.
ختاماً: لقد انطلقت هذه السلسلة من فكرة أن بناء الدولة يبدأ من بناء المؤسسة ثم أوضحت أن الفرص لا تكفي من دون قدرة على التنفيذ وأن الدولة تُقاس بقوة مؤسساتها وأن التعافي الاقتصادي يبدأ من جاهزية هذه المؤسسات. ويأتي هذا المقال ليؤكد أن نجاح كل تلك الجهود يظل مرهونًا بعامل حاسم هو ثقة المواطن.
فالثقة ليست مكافأة تمنحها المجتمعات لمؤسساتها بل هي ثمرة أداء مؤسسي يتسم بالكفاءة والعدالة والشفافية والاستمرارية وكلما نجحت المؤسسة في تقديم خدمة أفضل وتعامل أكثر احترامًا وإجراءات أكثر وضوحًا ازداد رصيد الثقة وتعززت قدرة الدولة على تنفيذ سياساتها وتحقيق أهدافها.
إن بناء الثقة لا يبدأ من حملات إعلامية ولا ينتهي بإصدار تعليمات جديدة وإنما يبدأ من داخل المؤسسة نفسها من قيادتها وأنظمتها وثقافتها وطريقة عملها وعندما يصبح الأداء المؤسسي الجيد هو القاعدة تتحول الثقة من أمُنية إلى واقع ومن شعار إلى قوة دافعة للإصلاح والتنمية.
فالدول لا تكسب ثقة مواطنيها بما تعد به بل بما تنجزه لهم كل يوم.
رسالة إلى صانع القرار / إذا كانت الثقة تمثل أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع فإن أفضل طريق لبنائها هو تحسين الأداء المؤسسي بصورة مستمرة ويمكن أن يبدأ ذلك من خلال ثلاث خطوات عملية:
اعتماد جودة الخدمة ورضا المستفيدين مؤشرين رئيسيين في تقييم أداء الجهات الحكومية.
تبسيط الإجراءات وتعزيز الشفافية وتوسيع قنوات تلقي الشكاوى والمقترحات والاستجابة لها.
بناء ثقافة مؤسسية تجعل خدمة المواطن معيارًا لنجاح المؤسسة لا مجرد واجب إداري.
الفكرة الرئيسة للمقال / الثقة ليست نتيجة للخطاب بل حصيلة أداء مؤسسي عادل وكفء ومستمر.
التحدي الذي أمامنا / اتساع الفجوة بين تطلعات المواطنين وجودة الخدمات عندما لا تواكب المؤسسات متطلبات الكفاءة والشفافية.
الإجراء المقترح / إطلاق برنامج وطني لتحسين جودة الخدمات الحكومية وربط تقييم الأداء بمؤشرات رضا المستفيدين وجودة الإنجاز.
الأثر المتوقع / تعزيز ثقة المواطن ورفع كفاءة المؤسسات وزيادة فاعلية برامج الإصلاح والتنمية.
( بناء الدولة يبدأ من المؤسسة - سلسلة مقالات في القدرات المؤسسية والإصلاح والتنمية المستدامة – هي مشروع فكري يسعى إلى ترسيخ ثقافة بناء الدولة من خلال بناء المؤسسات )